المعارضة الإرترية ومأساة التشتت

 

 

 

 

 

بقلم: المهندس سليمان دارشح
2024/9/26م
المعارضة الإرترية تشير إلى المجموعات والأفراد الذين يطالبون بتغيير النظام الاستبدادي الحاكم في إرتريا ، والذين يعارضون حكومة أسمرا المتعنته والتي ترفض بشدة إجراء أي تغيير ديمقراطي ، وتصر على التمسك بحكم إحادي دكتاتوري ، واستمرار المناخ القائم على القمع والفساد والأقصاء ، وعتادة هذه الحكومة القمعية أن تستخفّ بالمعارضة الوطنية الإرترية ، فتارة تصفها انها صنيعة خارجية ، وتارة أخري تصنفها بالمرتزقة ، رغم انها -الحكومة – تعلم جيداً هي – المعارضة – مكون وطني أصيل تستمد شرعيتها وقوتها من الشعب الإرتري ، ومن الموروث النضالي للثورة الإرترية . وتعرف أيضاً حكومة الشعبية المؤقتة المتسلطة ، بأن المعارضة الإرترية ، هي تلك المعارضة التي تعارض وفي ذهنها وقلبها ووجدانها الوطن والشعب ، تعارض وهي في يدها السياسية البديلة لسياسة حكومة اسمرا العشوائية المتخلفة.
والحديث عن واقع هذه المعارضة وما آلت إليه يسوقنا إلى الحديث عن دور النظام الحاكم وطبيعة المناخ الذي فرضه على الحياة السياسية في البلاد ، وهذا العام أكمل النظام في سدة الحكم حسابياً أكثر من ثلاثة عقود من الزمان ، وبذات القدر أكملت قوى المعارضة الإرترية نفس السنوات في معارضتها للنظام!!.
وظل هذا النظام طيلة هذه العقود ، يردد شعارات غوغائية وممارسات فوضوية غير مبررة ، وغير مسبوقة بحق الوطن وشعبه ، رافق ذلك للأسف حالة مفجعة من الضعف والتشتت والإنقسام من جانب المعارضة ، وبالتالي لم تنجح – المعارضة- طيلة هذه العقود من الإطاحة بالنظام المارق ، فتمادي يهرطق وخبط دون حسيب أو رقيب.
لذلك يلقي كثير من الناس اللوم على المعارضة الإرترية ، انها بسبب تشتتها وضعفها أخفقت في التصدي للنظام طيلة تلك السنوات ، وأدى هذا التشتت والإخفاق إلى إطالة مدة المأساة في إرتريا وإطالة عمر النظام ، حيث كان المفترض الإطاحة به منذ وقت مبكر للخلاص من بطشه ، وكذلك يعيبون عليها – المعارضة- أن لو كانت هنالك معارضة واحدة لخلقت جبهة قوية ، وتناغمت مطالبها مع المجتمع الدولي ، لحل الملف الإرتري ، ووقف الجرائم والإنتهاكات في إرتريا !!.
وفي ظل هذا الفراغ ، وعجز المعارضة في إيجاد صيغة تنظيمية تجمعها كلها في كيان موحد قادر علي مواجهة النظام ، تعرض الشعب الإرتري لأبشع الجرائم ، وافظع الإنتهاكات ، فضلاً إلى تدهور الوضع الاقتصادي في البلاد ، مما أدى ذلك لإفقار 95% من شعب إرتريا ، ونتيجة لهذه الممارسات العدوانية والطائشة من قبل النظام المستبد المدمن للكذب والتدليس السياسي ، آلت إلى أوضاع الشعب الإرتري إلى القاع السحيق ، وذهبت آماله وتطلعاته أدراج الرياح ، فأصبح – الشعب – يتمنى سقوط نظام الشعبية اللَّعين اليوم قبل الغد ، ولكن الشعب في حيرة ومقلوب على أمره ، لأنه لا يمكن أن يتحرك لمواجه النظام ، بدون قيادة معارضة موحدة وقوية ومسؤولة ، تقوده إلى بر الأمان !! فأين القيادة الموحدة والفاعلة والقادرة على إدارة دفة العمل السياسي المعارض ، والتي تقتنص الفرص ، وتبحث عن البدائل للإطاحة بالنظام ، وتفتح الباب واسعاً أمام الشعب الإرتري ، لترسيخ خياره الديمقراطي ، ورسم معالم مستقبلية عبر الديمقراطية المنيعة ، بعيداً عن لغة العنف والحرب؟!.
ويتكرر التساؤل بصيغة أخرى : إذا كانت جميع أطراف المعارضة متفقه على مبدأ تغيير النظام القائم من نظام استبدادي فردي إلى نظام تعددي ديمقراطي ، ما الذي يمنع في هذه الحالة إلى تفاهم ، وتشكيل قيادة موحدة تنسق بين جميع الأطراف ، وتوحد عنوان وخطاب المعارضة لتسهيل اتخاذ القرار الموحد والتواصل مع الجماهير الإرترية في الداخل والخارج بمختلف قطاعاتها ، وترتيب علاقاتها – قيادة المعارضة – مع دول العالم عموماً ومع محيطها العربي والأفريقي خصوصاً؟!.
وفي محاولة الاجابة على هذه التساؤلات نقول : نعرف جميعاً أن وحدة المعارضة الإرترية شرط أساسي لإسقاط النظام بالطرائق السلمية ، وضمان لإستقرار الديمقراطية التي ستعقب إسقاط نظام الشعبية الفاسد المستبد ، لقد أصبح هذا الشرط – وحدة المعارضة – عزيز المنال ، وسيظل غير مستحيل ، لا بل فهو ممكن وقابل للإنجاز ، إذن ليس هناك ما يمنع من أنجاز وحدة أطراف المعارضة الإرترية ، لا سيما برامجها تكاد لا تخلو من سطور متضمنة اهمية وحدة المعارضة ، كما انها – المعارضة- بمختلف أطيافها ومسمياتها وانتماءاتها ومرجعياتها مقتنعة بضرورة وحدتها ، ومدركة تماماً مأساة تشتتها ، وبالرغم من هذا الإقناع والإدراك ، إلا أن ما جري في أرض الواقع هو للأسف في واد أخر أو عكس ذلك!!.
حيث لا زالت المعارضة الإرترية تعاني من تراجيديا – مأساة- التشتت، ولم تفلح كل الجهود والمحاولات الحثيثة لتوحيدها في مكون واسع للخروج من متاهات التشتت ، وبالتالي لم تتمكن المعارضة الإرتقاء إلى قوة تمكنها من التفوق على النظام الدكتاتوري ، الذى تعارضه منذ سنوات طوال ، فأصبحت قوة النظام في ضعفها وتشتت صفوفها ، وأدى هذا الخلل – تشتت المعارضة – في نهاية الأمر إلى حالة جمود طويلة وضعف عام ، وغياب رؤية للتعامل مع الأزمات وتشتت عميق ، فضلاً عن الخلافات والتخوينات بين الأطراف المختلفة المشكلة للمعارضة ، بل وفي داخل كل طرف ، مما جعل المعارضة الأرترية تعيش اليوم أصعب حالاتها ، حيث الضياع والتنافر وإنعدام الثقة والإنسياق وراء صغائر الأمور وتوافهها ، وعدم التركيز على بناء برنامج أحد أدنى يستطيع الجميع الاتفاق عليه ، وهو ليس أكثر من الإتفاق على اسقاط النظام وإقامة بديل ديموقراطي وعادل يصون كرامة الإرتريين ، ويخاطب جذور مشاكلهم ، وتلحقهم بركب الدول المتقدمة بالأساليب السلمية وطرائق العمل الجماهيري.
مع الإشادة والتقدير العالي لما هو قائم من مبادرات وتنسيقات وإطارات تنظيمية وحدوية بين بعض قوى المعارضة الإرترية ، ولكن ما نقصده هنا هو إيجاد مظلة وطنية شاملة ينضوي تحتها كل تنظيمات ومنظمات المعارضة الإرترية – القديم منها والجديد – لمقارعة بشكل موحد نظام الشعبية الشمولي والتعجيل بإسقاطه ، والإنتقال بإرتريا إلى نظام حكم ديمقراطي تعددي مدني .
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن شعب إرتريا العظيم ، لا تزال طاقاته في أوجها ، لا يزيدها إجرام نظام اسمرا وداعميه ، إلا مزيد من الإصرار والعزم لإطلاق موجات متجددة من المد الثوري ، ولن تتوقف إلا بدحر الاستبداد وبناء الدولة الديمقراطية المدنية ، فقط هذا الشعب بأمس الحاجة اليوم لوجود معارضة موحدة قوية تقوده ، لإستعادة دولته المخطوفة والمنهوبة.
نرجع ونقول: لو كانت قوى المعارضة الإرترية ، توحدت بحق وحقيقة على أرضية صلبة ، وعملت بأسلوب القيادة الجماعية ، لما تمكن نظام الشعبية المستبد الاستمرار في سدة الحكم طيلة هذه العقود ، نترك كلمة لو لأنها لا تنفع بعد فوات الأوان ونقول : ليس هنالك من سبيل آخر لإسقاط نظام الشعبية الاستبدادي ، سوى العمل الجاد من الآن لتوحيد أطراف المعارضة كلها في إطار موحد ، وفق خطة مدروسة متفق عليها من كل الأطراف ، وبكلام آخر البحث عن القواسم المشتركة لجميع القوى المعنية بإسقاط النظام ، وجمعها في إطار تنظيمي واحد وتحت قيادة واحدة ، وتحيد أو تأجيل الاختلافات بين القوى المختلفة إلى ما بعد الخلاص من النظام.
أما – لا قدر الله – إذا فقدت المعارضة بوصلة وحدتها ، وأفلست وسائلها في الإطاحة بالنظام ، وسيكون مستقبل إرتريا مفتوحاً على مخاطر عديدة ، ولا سيما في ظل استمرار هذا النظام الدموي ، الذي لم يعد لديه ما يقدم سوى مزيد من الفوضى والقتل والدمار والخراب ، وفي تقديري المخرج من هذا الواقع التعيس يكون بالحفاظ علي جذوة الأمل متقدة والسعي لتحقيق وحدة قوى المعارضة الإرترية والإيمان الصارم بضرورة التغيير من اجل واقع أفضل يليق بالشعب الإرتري.
وبقى أن أذكر أنني لم اقصد فيما سبق وذكرت التقليل من جهود وتضحيات المعارضة الوطنية الإرترية ، طيلة عقود ضد النظام الاستبدادي الحاكم في إرتريا ، ولكن أردت من خلال الورقة والقلم ، ان أهمس بصوت خافت – صوت العقل – إلي مخاطر تشتت المعارضة الإرترية ، والذي كان من نتائجه إفقاد المعارضة جزءاً من فعلها ، ومنح نظام الشعبية الحاقد هدنة دائمة استمرت أكثر من ثلاثة عقود من الزمان بلا مقابل !!
وأخلص إلى القول : قيام دولة ديمقراطية ، لا تقام بمجرد إطلاق الشعارات ، وإنما تقام بوحدة قوية وإرادة حديدية ، وفعل قوي حقيقي على أرض الواقع .. واليوم النظام الفاسد أستنفذ أغراضه ، والأوضاع الحالية والقمع طوال ثلاثة عقود ، تحفز الشعب الإرتري للتغيير فهلاّ سارعت المعارضة الوطنية الإرترية لوحدتها.

احدث المنشورات