مناقشة دور المعارضة الإرترية وماهية التغيير السياسي المنشود ج2

بقلم /صالح شاتر

قلنا في الجزء الأول من هذه المناقشة ، أن الشعب وعلى مختلف مكوناته وفئاته يتطلع إلى ضرورة التغيير السياسي السريع ، على الرغم من تباين واختلاف أسباب ومكامن الأوجاع فيما بينهم. هذا وتوقفنا على طرح سؤال مهم مفاده ” ماهية ” هذا التغيير المنشود ، بمعنى أكثر وضوحاً ، أهو تغير يقف عند حدود إزالة النظام وإزالة المجموعة القابضة الآن على مفاصل الحكم أم تغيير جذري وشامل للنهج بكل منطلقاته ومفاهيمه السياسية التي أقام على هديها نظام حكمه والتي نتج عنها الوضع المأسوي الراهن وأضاع عقدين ونيف من الزمن.

كان في أمكان الشعب أن يحقق فيها أشواطا مقدرة في طريق الوحدة والوفاق الوطني وبالتالي مستوى عالي من التقدم والتطور الحضاري على كافة مستوياته ، فقط لو كان النهج منذ البداية نهجا واقعياً وعقلانياً ، تقوم ركائزه السياسية على الإيمان المطلق بالمساواة والتسامح والشراكة السياسية ، بدلاً من تسلط عقلية لا تؤمن إلا بالهيمنة السياسية والثقافية والاستئثار بالسلطة.

على الرغم من أن توجهات النظام كانت جهوية بامتياز إلا أن مردودها إنعكس على الجميع سلباً فكما يقال ، أن ما يقوم على باطل فهو باطل ، فسياسة النظام تسببت في تفشي ظاهرة اللجوء والهروب والفرار في أوساط الشعب وحسب تقديرات بعض المراقبين فإن نصف الشعب الإرتري الآن خارج الوطن . والمخيف أن هذه الظاهرة لا تزال مستمرة خاصة بين الأطفال القصر والشباب من الجنسين بل أسر بكاملها ممن حالفهم الحظ على الهروب.

في الواقع إن منطلقات .. نحن وأهدافنا أصبحت بلاءاً على الجميع ولا أعتقد بأن ظاهرة إخلاء الوطن يمكن أن تتوقف في ظل الوضع السياسي الراهن وذلك لجملة من أسباب أبرزها ، القهر السياسي والفقر والإنهيار الاقتصادي العام وتحويل المدن إلى قرى لافتقارها للمقومات الحضرية كالماء والكهرباء والغاز ، طبعاً هذا بجانب تورط البعض من ضباط النظام وما تبقى له من كادر في مفاصل الحكم في عمليات التهريب ، أما بغض النظر عنها أو بتسهيلها نتيجة تدني الرواتب وانتشار الفساد .

إن ظاهرة الهروب وإخلاء الوطن بحجمها الراهن والصورة التي تسير عليها الآن تشكل خطراً كبيراً سواء كان ذلك على مستوى نمو السكان أو في صعوبة ربط الأجيال التي هجرت الوطن في سن مبكر،أو تلك التي ولدت أو سوف تولد في المهجر بقضايا الوطن الحيوية مثل وحدة الأرض والشعب ، وأن الأمر سوف يزيد خطورة إذا لم تحسم عملية التغيير بالشكل الذي أكدنا عليه وعلى وجه السرعة ، ومن المسلم به ونحن في معرض مناقشه التغيير ، فإن التغيير الحقيقي هو ذلك الذي ينطوي على نظرة واقعية وشاملة في المعالجة ، أما مجرد الاكتفاء برغبة إزالة النظام لأنه نظام دكتاتوري وحسب فإن في ذلك تبسيط في تصنيف النظام واختزال لأبعاد نهجه السياسي ، ليس هذا فحسب بل يرى البعض في هذا الاختزال رغبة غير معلنة من أجل قلب العملة بالوجه الآخر، وهو أمر سيقود حتماً إلى مزيد من فقدان الثقة ، بل استحالة التعايش بين المكونات وبشكل أساسي بين المكونين الأساسيين اللذين يتوقف على وفاقهما الواعي والمخلص تجنيب البلاد شرور التفكك والانهيار ، كما سيعمل ذلك على إغلاق محكم لكل الأبواب والنوافذ في وجه كل القوى المتربصة . نحن جميعاً حينما أدرنا ظهورنا لمرارات مرحلة تقرير المصير وما ساد فيها من ترويج طائفي صارخ تمكنا من مقاتلة العدو جنباً إلى جنب وانتزعنا حقوقنا المشروعة في الحرية والسيادة الوطنية ولكن حال برنامج (نحن وأهدافنا) دون قطف ثمار تلك التضحيات الجسام في إقامة نظام حكم رشيد يحسس كل المكونات بالانتماء إليه والدفاع عنه.

يبدو من سياق التاريخ السياسي أن الثقافة السياسية لحزب (الاندنت) بكل أبعادها الجهوية والطائفية كان متجذرة في قطاع كبير من السكان خاصة أولئك الذين عاصروا أنشطته وتأثروا بتعبئته ، بل وأيضا في جزء من الجيل التالي والذي ترعرع في أحضان تلك التعبئة السالبة. لهذا فإن توجهات الهيمنة والتطلعات الأحادية لم تمح من ذهنية ونفوس البعض وهو الأمر الذي مكن برنامج (نحن وأهدافنا) من السيطرة التامة على الخط السياسي والثقافي للجبهة الشعبية في وقت مبكر.

من الحقائق التي يجب الوقوف عليها ، أنه من الخطأ حصر رغبة حزب (الأندنت) في الاندماج على دوافع طائفية بحتة حيث كانت لدى قيادات هذا الحزب تطلعات ومرامي (وهمية) تنطلق من الاعتقاد بأن الاندماج لو تحقق سيمكنهم من الهيمنة السياسية والثقافية على بقية المكونات الإرترية . وأن جهل تلك القيادات واندفاعها الأعمى لم يمكنها من استيعاب وفهم النهج السياسي لنظام الحكم في اثيوبيا آنذاك، فنظام الإمبراطور بجانب كونه نظاما ملكيا مطلقا كان في ذات الوقت نظاما جهويا يعمل على إذابة الآخرين سياسيا وثقافيا ولا يسمح بقيام ثقافة ولغة أخرى بجانب الامهرية ، بالفعل هذا هو الذي آل إليه مصير اللغتين العربية والتجرنية في ظل نصوص الاتحاد الفدرالي ناهيك أن يحقق عكسه في ظل الإندماج الطوعي الذي كان يدعو إليه حزب (الاندنت) وقساوسته الذين حولوا حتى المناسبات الدينية مثل (المسقل) إلى مهرجانات وابواق ودعوات سياسية تدعو للإندماج الفوري.

كما حدث على أرض الواقع فإن منطلقات الحزب المذكور أفضت في نهاية المطاف إلى ابتلاع إثيوبيا الوطن بأكمله ، واليوم فإن منطلقات برنامج (نحن وأهدافنا) تضع البلاد على حافة السقوط والتفكك والانقسام وهو أمر في غاية الخطورة وليس لمصلحة أحد بل خسارة للجميع . ولهذا فإن هذا الواقع يستدعي قيام كل العناصر الوطنية المخلصة بتشخيص الأمراض بتجرد ودقة ووضوح من أجل زرع بذور محصنة يكون نتاجها الوجدان الوطني الموحد والذي يعاني الآن من الضعف والوهن.

لا يمكننا بلوغ هذا المستوى إذا لم نتسلح بأسلوب المصارحة والنقد البناء الذي يتبنى أسلوب التواصل الجاد والابتعاد كلياً عن الهمس في أذان العضوية والأنصار في تقييم أطراف المعارضة بعضها البعض فنحن أمام مستقبل وطن مهدد بالتفكك وبالتالي على كل التنظيمات السياسية وأيضا الفعاليات طرح برامجها ورؤيتها كاملة حول آليات التغير الآن وكيفية نظام الحكم مستقبلاً.

بهذا فقط نتمكن من خلق أجواء التسامح والوفاق بقناعة ، يجب أن لا نكون مثل النعامة التي تدفن رأسها في الرمال ، وطبعاً يضرب هذا المثل – مجازا- لوصف التجاهل والتعامي وعدم الاعتراف بالحقائق الماثلة أما النعامة تقوم بهذا الفعل من أجل أن تسترق السمع في محاولة منها لمعرفة الإتجاه الذي يأتي منه الخطر، إذن ليس من الأجدر بنا أن نسترق السمع والبصر لمعرفة مكامن ومخاطر التفكك والانقسام وويلاته علينا جميعاً خاصة وإن هناك أطماع دولية ورغبات إقليمية تتربص بنا وتراهن على عدم أهليتنا في التعايش في وئام علينا أن نتعلم الدروس البليغة من النيران المشتعلة من حولنا سواء في الصومال أو بعض الأقطار العربية وأيضاً تلك البلدان المرشحة للتفتيت لكيانات ضعيفة ومتناحرة يسهل السيطرة عليها سياسياً واقتصاديا، والمعروف أن مشاريع أعادة الترتيب الجغرافي والسياسي تقودها الآن الولايات لمتحدة وحليفاتها الأوروبيات. ربما يعتقد البعض بأنني أتحدث بلغة سياسة مفرطة في الرومانسية حينما اربط إرتريا بهذا المخطط أو المشروع ، ظنا من هذا البعض بأن المشروع ليست له بارتريا اية صلة وأنه يستهدف الدول العربية والإسلامية فقط . حقيقة أن مثل هذا الاعتقاد ينطوي على خطأ وقصور في التفكير ، لأن ارتريا بحكم موقعها الحيوي تشكل جزءا مهماً ومكملاً في تفاصيل مشروعات إعادة الترتيب الجغرافي والسياسي في الخارطة المعدة للمنطقة ، هذا وكلنا يعلم تماماً أن التنوع الديني والثقافي واللغوي في إطاراته السالبة من تذمر وعدم استقرار سياسي في أي مجتمع من المجتمعات يعتبر المدخل الرئيسي لمثل هذه المخططات الهدامة .

نحن أمام مستقبل وطن نريده موحداً أرضا وشعباً وبالتالي فإن أولى الخطوات لدرئ المخاطر عنه يجب أن تنطلق من الإيمان القوي بمضامين المثل القائل ( لا يحك جلدك مثل أظافرك) إن مضمون المثل واضح حيث يدعونا إلى أن نكون أسياد أنفسنا في التفكير والفعل وأن نبتعد كلياً عن نوازع الاستقواء السياسي بالغير من أجل تعزيز المواقف لان أظافر الغير مؤلمة في حك الجلد بل مدمية له في آخر المطاف وإن تجاربنا نحن غنية وقادرة على إزالة الغفلة عند البعض .

فيما تقدم قلنا يكاد يجمع الشعب على الرغبة بزوال النظام اليوم قبل الغد ولكن بكل أسف إن المعارضة الإرترية رغم كثرة أعدادها وتنوع أشكالها (سياسة ، مدنية) إلا أنها غير جادة في الوصول بالشعب إلى هذه الغاية رغم اجترارها للمصطلحات والمفاهيم السياسية دون القدرة على القفز لمراحل متقدمة وعملية أي إلى رحلة تتجذر عنها مقومات نظام الحكم مستقبلاً وتعمل على تفعيل مهمة الإسراع للخلاص من النظام حالياً ، إن حال المعارضة أصبح يتسبب في هبوط معنويات الجماهير ولم يعد هناك من أحد يعول الآن على دورها بل ولد لدى الجماهير أحساساً بأن التعارض في صفوفها لا يقل عن التعارض بينها وبين النظام ، وهنا من حق الجماهير أن تتساءل ، هل لكل طرف من أطراف المعارضة وبقية الفعاليات تفسير بل مرامي خاصة به لتلك المصطلحات والمفاهيم السياسية وإذا كان الأمر كذلك فإن نظام اسياس يرفع هو الأخر شعار (الشعبية للديمقراطية والعدالة ) إذا لماذا نرفع ضده المعاول ونحاربه سياسياً ؟! .

أعود واذكر الجميع بخطأ الركون إلى القول بأن مشروع أو مشاريع إعادة الترتيب الجغرافي والسياسي الهادف إلى تمزيق المنطقة إلى دويلات متناحرة ومتحاربة أمر غير وراد بالنسبة لإرتريا على ذات الشكل ، وإذا لم نغلق كافة الأبواب والنوافذ بإحكام فإن الذي ينتظرها هو الإلحاق مجزأة بدول الجوار وبإيجاز الدفع باتجاه المشروع البريطاني إبان مرحلة تقرير المصير والذي أسقطه شعبنا بوعيه وإخلاصه للوطن والأرض والشعب .

تأسيسا على كل ما تقدم أتوجه إلى كافة الذين يحسون بالمخاطر التي تهدد وحدة الوطن وأتوجه بصورة خاصة إلى الإخوة المسيحيين عامة وبالذات الطبقة المثقفة والواعية سياسياً بل والخيرة والمخلصة لقضية الوحدة والوفاق ، وأقول لهذه الطبقة بكل صراحة وشفافية بأن الشركاء الآخرين وعبر مسيرة التاريخ السياسي يرون بأن الجنوح والرغبة في الهيمنة الثقافية والسياسية يحتل مساحة في ذهنية قطاع كبير من هذا المكون مع العلم بأن الهيمنة الثقافية والسيا.سية متلازمتان حيث لا تقوم إحداهما بمعزل عن الآخر وهذا من أهم الأسباب لإثارة الهواجس المناطقية وغيرها الآن .

حقيقة أن الجماهير العامة لا تتحمل وزر الضعف ووهن الوحدة والوفاق الوطني لان البوصلة التي….. توجه ميوله و عواطفه ونزعاته السياسية والثقافية هي بيد هذه الطبقة التي تتمتع بدرجة ومستوى من الوعي والثقافة السياسية والعامة ، لهذا فعلى هذه الفئة أو الطبقة مجاهدة الذات من أجل كبح كافة الميول الضارة والتغلب على نزعات الهيمنة الأحادية ، حتى نتمكن من تعبيد الطريق أمام الأجيال القادمة لكي تتعايش في أجواء التسامح والمساواة والديمقراطية الحقة.

أما بالنسبة لبعض تنظيمات المعارضة والتي يشكل المكون الثاني ثقلها السياسي ، نكتفي ف.ي وصف حالهم بمضامين الآية الكريمة (لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بـأنفسهم) صدق الله العظيم – حقيقة أن. القيادات والكادر المتقدم لهذه التنظيمات هو الوحيد الذي يدرك أكثر من غيره الأسباب التي تحول دون الالتحام في آليات فاعلة تنسجم مع متطلبات ومهام الحاضر وتدفع أيضا باتجاه الإسهام بفاعلية في إرساء قاعدة متينة للوفاق الوطني في عمومه مستقبلاً ، حيث هناك خلط مخل بين متطلبات الحاضر النضالية ومضامين برامج ما بعد التغير ، مع سيادة أسلوب الهمس في تقييم الآخر وهذا ما أدى وسوف يؤدي دون تحقيق أي وثبات نحو الإمام .

سبق واشرنا بأننا أمام مستقبل وطن ، وعلى الأقل أن نتوافق في المبادئ العامة والتي تشكل العمود الفقري لصيغ الحكم مستقبلاً ، فالمعضلة ليست في من يحكم لأن ذلك ستحسمه المفاهيم الديمقراطية سواء كان الحاكم فرداً مستقلاً أو حزباً ولكن تبقى المعضلة في كيف نحكم البلاد بصيغ تحظى برضا كافة المكونات على كل حال لو استمرت المعارضة وكل الفعاليات على أوضاعها المبعثرة هذه وغموض منطلقات البعض فإنها ستظل عاجزة تماماً عن إحداث التغيير السياسي المنشود فهي الآن وفي مجملها أشبه بمن يجلس القرفصاء ويتمنى أن تأتي أعاصير (سونامي) لاقتلاع النظام – وعلى الرغم من أن هذا لن يحدث ، إلا أننا لو افترضنا جدلاً أنه حدث في ظل هذه البعثرة وعدم الوفاق ففي أي مرفأ سيرسو مصير الوطن يا ترى؟

أنه سؤال ينطوي على التشاؤم ولكنه نابع من واقع الحال.

 

احدث المنشورات