كلمات في وداع القائد آدم صالح

مهندس / سليمان فايد دارشح

تاريخ ارتريا مليء بالبطولات النادرة وعامر بقيادات مجاهدة فذة . فقد سجل التاريخ في سجلاته الخالدة رجالا أوفياء تقدموا إلى ساحات الفداء بكل شجاعة واقتدار وثبات بحثا عن ذرى المجد ، وبذلوا لها الروح والجود بالروح اغلي  غاية الجود . من هؤلاء القادة التاريخيين يشمخ القائد الفذ آدم صالح شيدلي ، ذلكم البطل الذي ضرب أروع  الأمثلة في التضحية والفداء من اجل الدفاع عن حرية بلاده وعزة شعبه .

الحديث في مثل هذه اللحظة ونحن نودع هذا القائد العظيم لا يعبر إطلاقا عما يجيش في القلوب من لوعة وحزن وأسى على فراق الفقيد ، إلا إننا سوف نحاول في هذه العجالة أن  نتناول شذرات من مآثر هذا القائد التاريخي الذي تجمعت فيه  شمائل النخوة  الارترية الأصيلة ومبادئ القيم النبيلة.

كان القائد آدم صالح دمث الأخلاق حسن المعشر تقيا وورعا وشجاعا قوي العزيمة وصعب المراس مقداما لا يهاب الوغى . عرف بالجدية وعدم التهاون في الواجبات  والمهمات العسكرية – كان عطوفا ومحبا لجنوده وأبناء شعبه. كان القائد آدم صالح  طيبة تملأ النفس وتفيض وغضبات سريعة سرعان ما تتلاشى وقلب في بياض الثلج وكرم طبيعي غير متكلف وأريحية ومروءة تكاد تبلغ درجة المثالية رزين يؤثر دور المستمع فلا يشترك في الحديث إلا لماما وإذا اشترك ففي خفة وإيجاز . بليغ في الحدود التي يتطلبها عمله ولا يحتاج إلى ابعد منها وهي بلاغة لا تعتمد على بهرج اللفظ ولا التلاعب بالمعاني  وإنما تعتمد على وضوح الفكرة وبساطتها واستقامتها وتركيزها .

عرف القائد شيدلي  باستقامته وصراحته القاطعة وأسلوبه الواضح الذي لا يدعه يداور أو ينافق أو يداري .وثاب الهمة ذو مثل رفيعة وأهداف تحررية عالية مخلص فيما يؤمن بأنه حق ولا يخشى فيه لومة لائم.هو رجل يعزف عن الظهور ولا تطيق نفسه خلق الضجة الجوفاء حول عمله وابرز ما يميزه هدوؤه واتزانه ورصانته وتبصره وإيثاره الجهد الصامت في خدمة وطنه وشعبه. وهو احد القادة الذين تركوا بصمات لا تمحى في تجربة الثورة الارترية بجميع جوانبها السياسية والعسكرية والجماهيرية.

التحق بالثورة بعد أن تخرج من الكلية العسكرية بالعراق سنة 1968م برتبة ملازم وكانت الساحة الارترية  مقسمة إلى مناطق عسكرية خمسة لتسهيل انتشار الثورة وإدارة العمل اليومي  . وعمل القائد آدم صالح في المنطقة الأولى التي كان يقودها آن ذاك المناضل محمود ديناي.بعد استلامه مهامه في هذه المنطقة ادخل القائد شيدلي الكثير من الأساليب القتالية والإدارية الحديثة  والمتطورة ولم يقتصر دوره في المنطقة الأولى بل كان همه مع رفاقه الضباط بناء مؤسسة عسكرية موحدة على امتداد الوطن لذلك ساهم بجهده وفكره في تحقيق الوحدة الثلاثية ثم ساهم بشكل فعال في إنجاح مؤتمر ادوبحا في سنة1969م الذي انبثقت عنه القيادة العامة التي كان عضوا فيها .ثم انتخب في سنة 1977م عضوا في المجلس المركزي لجبهة التحرير الارتري- قوات التحرير الشعبية واختير رئيسا لهيئة الأركان ، وفي العام 1979 اختير رئيسا للدائرة العسكرية في اللجنة الثورية  المؤقتة لجبهة التحرير الارترية-قوات التحرير الشعبية-وعقب اتفاقية جدة اختير رئيسا للجنة العسكرية في التنظيم الموحد وفي العام 1993م اختير رئيسا للجنة التنفيذية  لجبهة التحرير الارترية – المجلس الوطني- وتقلد مناصب أخرى حتى آخر لحظة من حياته.

لقد أبرز القائد آدم صالح قدرات جبارة في قيادته لجيش التحرير الارتري ومن العوامل الرئيسية التي أدت إلى نجاحه كقائد متميز إتباعه العمل اليومي المنظم والحرص الدائم على الارتباط بمقاتليه ومعايشتهم ورعاية أسرهم وتأهيلهم سياسيا وعسكريا. ولم يكن دوره في الجوانب الأخرى أقل من دوره العسكري فقد كان يؤمن أن الجماهير هي معين لا ينضب وسند حقيقي للثورة ومن هذا الفهم كانت علاقته دائمة ومباشرة بالجماهير الارترية يعتني بتنظيمها وتوعيتها وتسليحها . كما اهتم القائد آدم صالح بشكل خاص بالتعليم وكانت له إسهامات واسعة في السعي لإيجاد فرص التعليم الأكاديمي والمهني والعسكري لعدد كبير من أبناء الشهداء والمقاتلين واللاجئين لرفد الثورة بالكادر المؤهل . ومن اشراقاته المأثورة  أنه ورغم انتمائه إلى تنظيم معين (جبهة التحرير الارترية) ظل القائد آدم صالح بعيدا عن العداوات والأحقاد التنظيمية  الضيقة حيث كان يرى أن يكون الاختلاف بقصد الإصلاح لا الهدم والوفاق لا الاختلاف ، لذلك هو من العناصر الوطنية المعتدلة التي كانت تعمل في جميع مراحل الثورة لجمع الصف ونشر لواء الوفاق الوطني وهو أيضا من الذين ساهموا مساهمة فعالة في الحفاظ على مكتسبات الثورة الارترية وضمان استمرارها وتقدمها سياسيا وعسكريا.

بالإضافة إلى كل ما ذكر كان الرجل موسوعة ومرجعا للأحداث والوقائع والتطورات السياسية والتنظيمية للثورة الارترية كان يحتفظ في أرشيفه الخاص بكل البيانات  والوثائق الصادرة عن المؤتمرات العامة للفصائل الارترية  . كما انه متحدث ماهر فان جليسه لا يمل  وهو يروي أدق التفاصيل عن المراحل التاريخية للثورة وينتقل بالجليس من حديث إلى حديث في خفة ولطف وبراعة.

الحديث مع القائد آدم صالح تختفي فيه الأنا ويتسامى الإيثار فأحاديثه عن رفاق الدرب والشهداء تكون أكثر إفاضة ، والحديث عن الذات  لا يأتي  إلا لضرورة ويكون أكثر اقتضابا.

والذي اعرفه عن القائد آدم صالح أنه  دون قبل وفاته مذكراته الخاصة كاملة وأعطى في هذه المذكرات شهادته علا التاريخ بكل  أمانة  ولقد اطلعت على أجزاء منها وهي مذكرات قيمة وهي توثيق دقيق لتجربة الثورة الارترية كما انه كان شديد الاهتمام بالقراءة واقتناء الكتب وجمع الوثائق والمخطوطات النادرة ذات الصلة بالقضية الارترية وكانت مكتبته تضم جميع الكتب الصادرة عن الثورة الارترية وتاريخ ارتريا وقد استفاد الكثيرون في إعداد بحوثهم من هذه المكتبة العامرة التي لا تقدر بثمن.

هذا هو القائد آدم صالح شدلي وهو من الرعيل الأول للثورة الذين رسموا ألف دائرة عبور ومنحوا أبناء شعبهم مفردات الصمود والتحدي وزرعوا أشجار المقاومة ونقشوا الملحمة على جذوع الأشجار وقدموا لشعوب العالم  تجربة رائدة وفريدة في مقاومة الاحتلال وكسر طوق الذل والاستبداد وسيظل أبناء شعبهم يرسمهم نقشا مضيئا في حدقات العيون وقصصا خالدة في كتبهم.

يبقى أن أقول لقد عرفت القائد آدم صالح معرفة حقيقة عن كثب ولمست الكثير من خصائصه المميزة كانسان ومجاهد وقائد وشاركت الجميع الحزن واللوعة والأسى يوم بلغني نبأ وفاته .. وهناك في مدينة كسلا وخلال المأتم قرأت على جباه الشيوخ والشباب دلالات الحزن الكبير وسمعت الكلمات القوية من رفاق دربه في التأبين وخرجت من ذلك بنتيجة واحدة وهي : رحل القائد آدم صالح بجسده عن الدنيا الفانية ليعيش بروحه وعطائه الخالد في نبضات قلوب أبناء شعبه في عموم ارتريا وكل العالم تاركا جيلا من المناضلين الشرفاء يواصلون المسيرة لتحقيق الأهداف التي آمن بها وناضل في سبيلها إلى آخر يوم من حياته.

احدث المنشورات