مستقبل بقاء النظام الإريتري في ضوء المتغيرات الراهنة..

صالح أشواك

14/11/2019م

كثيرة هي المتغيرات و التحولات السياسية التي حدثت في منطقة القرن الإفريقي ، مما أوحى أن ثمة مشهد جديد قيد العرض بدت تتكشف ملامحه منذ صعود الدكتور أبي أحمد إلي كابينة القيادة السياسية في اثيوبيا عقب أحداث دراماتيكية شهدتها اثيوبيا علي المستوى الإجتماعي و السياسي و حراك جماهيري غير مسبوق ، و في تماهي انفعالي واضح مع نبض الشارع تسارعت وتيرة الإجراءات المنفعلة في ظل تعقيدات المشهد علي مستوى التحالفات السياسية و القومية و برزت جملة من التحديات امام الدكتور ابي احمد و سارع إلي حل الأزمة الكبيرة بين أثيوبيا و إرتريا بشكل اثار الكثير من التساؤلات و كأنما بالأمر كان بإيعاز من أطراف داعمة لتصدره المشهد السياسي في اثيوبيا و دونما حوارات اٍستباقية و تبدى ذلك في الصمت الإرتري الذي استمر زهاء الأسبوع قبل إعلان صاحب القرار الأوحد في ارتيريا قبوله المبادرة و في تقديري أن الإيعاز بقبول المبادرة كان أيضاً حاضراً لدي الطرف الإرتري في إطار مشروع إقليمي اسند إلي الدكتور ابي احمد و وبدى ذلك جلياً في كل العبارات التي رددها الدكتاتور أسياس من قوله أنه فوض أبي أحمد تفويضاً كاملاً في رسالة واضحة علي تقبله أن يكون شريك في هذا المشروع مقابل بقاءه في سدة السلطة من خلال إخراجه من العزلة الدولية و فتح قنوات التواصل مع كل عناصر و أدوات المشروع في المنطقة و بدأت الزيارة تترا إلي دول الإقليم بصحبة الدكتور ابي أحمد. مما يعني أن هذا السلام ليس نتاج رغبة ذاتية بين البلدين تستصحب مصالح شعبيهما ، بل هو أمر فرض عليهم نتيجة ترتيبات يجب أن تتم في المنطقة في ظل صراع محموم تشهده و أزمات سياسية و حرب اقتصادية و حرب بالوكالة تديرها بعض الدول عبر توظيف أموالها ، و قد تم إخراج سيناريو السلام المزعوم بطريقة تجعل الأمر و كأنما هو انتصار للطرفين و حتى اللحظة المعطيات علي الارض تشير و بوضوح إلي أن الأمر كله تم في إطارة المناورة بالتصريحات بين قادة البلدين فأثيوبيا مازالت تحتل الأرض الإرترية و تتمركز فيها قواتها و في امتداد إقليم لديه تحفظات واضحة علي كل ما يدور من تدبير و تجهيز للمسرح لمشاهد لا تعدو إلي أن تكون غير مقنعة.

في ظل كل هذه الأحداث طرحت جملة من التساؤلات المهمة و منها السؤال المحوري ، هل سيستجيب النظام الإرتري لإستحقاقات السلام عبر سلسلة من الإجراءات التي يبعث بها كرسائل للداخل و المجتمع الدولي بعد أن شهد النظام عزلة دولية و إقليمية جراء خلافاته مع دول المحيط الإقليمي و وكذلك لشركائه من صناع هذا السلام المزعوم حتى يجمل صورته علي الأقل ، و لكن جل بل كل الأسئلة لم تجد الإجابات المنتظرة و ذهب النظام نحو مزيد من الإمعان في الإجراءات التي تصادر القرار الوطني عبر رهن إرتريا لدي دوائر الصراع في المنطقة حتى يستمر بقاؤه في السلطة في ظل انحسار قدرته العسكرية و في ظل ما تعاني منه (المؤسسة العسكرية !!) من إستقطابات في الولاءات علي مستوى الجنرالات الذين اصبح الدكتاتور يخطب ودهم كلاً حسب سطوته و قدرته و كذلك ما تشهده إرتريا تنامي حالة الغضب الشعبي في مدنها و اريافها  و شهدت إرتريا في هذه المرحلة مزيد من هجرة الشباب الذي كان بالإمكان أن يسهم في بناء الدولة أكثر من ذي قبل !!! . 

و لعل جملة من المتغيرات الدولية ، حيث ارتفاع وتيرة المنافسة بين القوة الاقتصادية الكبرى الصين و الولايات المتحدة في القارة الإفريقية فأن الدوائر الغربية أضحت لا تكترث كثيراً بالقضايا الإنسانية و الحقوقية لإنسان الدول القمعية و انصب غالب جهده في الحد من تمدد الدور الصيني الذي شهد تنامياً في الشراكات الاقتصادية مع الدول الإفريقية و الصين دولة لا تعير أي اهتمام للحقوق الإنسانية بقدر ما يهمها ماذا تحقق من مكاسب و لديها القدرة علي التعامل مع أكثر الأنظمة فساداً و استبدادا طالما تستفيد منهم في إطار تحقيق مصالحها الاقتصادية حفزت النظام نحو المزيد من الإجراءات التي تمكنه من بسط سطوته عبر اذرعه الأمنية التي تتشكل قياداتها من الدائرة القريبة إلي الرئيس اسياس .

الوضع في اليمن و دخول التحالف العربي في حرب مفتوحة مع الحوثيين كان واحداً من المكاسب للنظام و التي وظفها علي نحو يحقق مصالحه و كانت متغير مهم في المنطقة بالنسبة للنظام .

و لعل بعض المتغيرات التي راهن عليها النظام هي الأخرى تغيرت بطريقة دراماتيكية و برزت جملة من المعطيات الجديدة و المفاجئة له علي خارطة المنطقة و بطبيعة الحال المعطى الأول و الأهم هو الموقف الجديد في أثيوبيا حيث برز إلي السطح خلاف بين حليفي الأمس أبي أحمد من جهة و جوهر محمد من جهة أخرى و الأخير كان له الدور الأكبر في تثوير الشارع الذي جاء الدكتور ابي أحمد محمولاً علي مطالبه مما يعني أن جوهر محمد يتملك القدرة علي تثوير الشارع الأثيوبي مرة أخرى علي الدكتور أبي أحمد و قد حدث هذا بالفعل مما دفع ابي أحمد إلي ممارسة البطش الأمني ضد انصار محمد جوهر و لعل قوة و مركز الرجل وسط أنصاره تجلت في دفع سلطات الإقليم علي إصدار بيان اعتذار علي خلفية محاولة اعتقاله من قبل الأجهزة الأمنية حيث سارع حاكم اقليم الأرومو (شيملس أبديسا) إلي إصداره باسم الحكومة الحالية أقدم ابي أحمد علي كل ذلك و لم يمضى علي تتويجه بجائز نوبل للسلام أكثر من شهر (مما يشكك في معايرها ) و بطبيعة الحال المستفيد الأول من هذا التدافع السياسي بين الطرفين هم خصوم النظام الإرتري التقراي الذين اخرجهم صعود أبي أحمد من دائرة التأثير علي مجريات الأحداث في اثيوبيا بعد أن كان لهم الدور الأهم علي خلفية قيادتهم إسقاط نظام منقستو وبسط الحكم علي اساس لا مركزي في عموم إثيوبيا و طبيعة العلاقة بين الجبهة الشعبية لتحرير تجراي و نظام البطش في اسمرا معلومة بالضرورة للجميع حيث التربص و الترصد هو الذي يحكم العلاقة بينهم.

المتغير الأخر و المهم هو انتصار الثورة الشعبية السودانية التي اسقطت نظام البشير القمعي و تشكيل حكومة وطنية انتقالية من أولى مهامها إنجاز السلام العادل و مخاطبة جذور الأزمة السودانية مما يعني سقوط رهان أسمر علي تعكير صفو الاستقرار في السودان ابتزازه بالعامل الأمني و رغم المحاولات الدرامية في إيصال رسائل من النظام الإرتري في لمسات إخراج استقبال الشيخ سليمان علي بيتاي علي نحو يوصل رسالة إلي الخرطوم إنها حاضرة في المشهد و ربط ذلك بدعم إماراتي إلا أن الاستقبال الذي حظى به رئيس الجبهة الشعبية المتحدة للتحرير و العدالة السيد / الأمين داؤود و الذي يمثل الشرق عبر منبر جوبا للسلام تحت مظلة الجبهة الثورية قد جعل من التكهن في أن يلعب سليمان علي بيتاي دوراً في الشرق لصالح النظام الإرتري أمر غير دقيق، كما أنه من المهم الإشارة إلي أن النظام الإرتري عبر اختياره الشيخ سليمان علي بيتاي عوضاً عن جبهة الشرق ربما يحدث بعض الهواجس بين حلفاء الأمس النظام الإرتري من جهة و مجموعة موسى محمد أحمد و أمنة ضرار و مبروك مبارك من جهة أخرى حيث رعت إرتريا اتفاقية (سلام اسمرا) و التي لم تتنصل منها حكومة السودان الجديدة كاتفاقية ملزمة بالتعامل معها و لكن ليس بذات الرموز السابقين الذي كانوا شركاء لنظام الإنقاذ و لكن بوجوه جديدة من ذات مؤسسة جبهة الشرق و التي ربما يتم إضافتها إلي منبر جوبا من أجل ضبط الاتفاق الأساس في اسمرا و الذي لم يطبق حرفياً في ظل استمراء رموز الاتفاق لحياة الدعة و الرفاهية التي تمتعوا بها من خلال شراكتهم مع الإنقاذ.

علي المستوى الإقليمي راهن النظام علي دور له عبر المشاركة في التحالف العربي ضد الحوثيين و لو بشكل غير مباشر و لكنه ظل يعتمد علي المزايا التي تمثلها الموانئ الإرترية ولعب علي وترها ، و لكن فيما يبدو أن الحلفاء يفضلون ميناء عدن الذي يشكل اهمية كبرى علي المستوى الأمني و الاقتصادي و تشهد الحرب بين طرفي الصراع مرحلة هدوء لأسباب ذاتية و أخرى موضوعية و هناك ثمة مفاوضات غير معلنة بينهم و نحن نرجح أنها ستمضي إلي نتيجة تحقق الهدوء و لو بشكل نسبي في ظل ما تواجهه إيران من ضغوط اقتصادية و تهديدات عسكرية مع إنها لا تتسم بالجدية علاوة علي ما تفرضه عليها الثورات الشعبية في كل من لبنان و العراق و التي تنذر بتلاشي دورها في المنطقة مما يعزز فرضية قبول الحوثيين للتفاوض و الخروج بأقل خسائر في المرحلة المقبلة كما أنه من المهم الإشارة إلي اثر الإتفاق بين الحكومة الشرعية و المجلس الإنتقالي الجنوبي في ما نفترض من مضي المفاوضات الغير معلنة إلي مسارات متقدمة.

كل هذه الأسباب و المتغيرات المتناقضة التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام القليلة الماضية و تشهدها الآن جعلت النظام الإرتري يعود إلي ذات منهجية المنطق الأمني في تصفية كل من يشك في ولاءه و الي مزيد من تشديد القبضة الأمنية و عاد إلي ذات اساليبه القديمة البائسة في إطلاق الشائعات كمقدمة لإجراءات تعسفية قادمة فنجد بعض البيانات المكذوبة عن محاولات اغتيال الرئيس تصدر من النظام كمقدمة لإلصاقها بمن يراد له/لهم أن يختفي أو يختفوا من المشهد و كذلك الإعلان عن محاولات اغتيال بعض الجنرالات ربما لتصفيتهم أو تصفية خصومهم بعد نسب المحاولة إليها عبر تقارير استخباراتية كاذبة ..

المرحلة المقبلة سيعمد النظام إلي مزيد من الإجراءات التعسفية ضد كل مناوئ له في الداخل و بصورة همجية تؤكد فقدانه البوصلة في معالجة الأزمات إلا عبر الحل الأمني و هذا مؤشر علي أنها مرحلة بداية السقوط ، المطلوب من القوى السياسية التحرك علي كافة المستويات الرسمية و الشعبية و علي مستوى التواجد في المنصات الإعلامية  لممارسة المزيد من الضغط حتى يسقط هذا الثور الهائج مغشياً عليه …

احدث المنشورات