ذكرى ميلاد البطولة والفداء

بقلم أبو أمنة مرر

(1)
في أواخر السبعينات من القرن الماضي قرر ابي أن أسافر أنا بمعيته من بلدتنا فتوجهنا غربا في صبيحة ذلك اليوم الصيفي اللاهب ، فكانت (سيارتنا) جملنا (سفينة الصحراء) محمل بأمتعتنا و نمطيه أنا وأبي ، ابي بمهارته المتأصلة في ترويض الجمال و الحصين التي كانت تشكل ناقلاً مهماً يمسك رسن الجمل الذي يشكل مقود التوجيه و يجلس جلسة العارف بأسرار الطريق بصورة تنم عن اللامبالاة واضعاً ساق علي ساق في وضع عكسي مع وضعية بدنه في قمة الجمل وجهه يرنو في شموخ و حرص إلي الطريق وأنا خلف ابي متقابلة ظهورنا مختلفة وجهة أنظارنا أنا في موقف المودع أنظر إلى الخلف وأنا في حالة نفسية صعبة أول مرة افارق امي واخوتي وتوكلنا علي الله وغادرنا بلدتنا وبعد مسافة التقينا بموكب من الجمال يطلق عليهم (الجمالة) و يتقاسمون أعباء الرحلة في تناغم قل أن تجد ما يماثله مع خلق جو بهيج تكتنفه حالة من المرح كان موكبهم أيضاً متجه إلي الغرب كانا في بدايات شهر مارس و حسب ما استوعبت من أحاديثهم البينية بأن الرحلة قد تستغرق أسبوع أو أقل منه بيوم .
المعتاد في موكب (الجمالة) أن يمشوا ليلا ويناموا نهارا وتبدأ الرحلة غالبا عصرا و وصلنا منطقة يقال لها تقوربا والغريب منطقة تقوربا تطلع لها من منطقة (هواشيت) وهواشيت منطقة وديان منخفضة ومنطقة تقوربا منطقة مرتفعة منذ أن تعتلي أرض تقوربا ترى أمامك جبل تقوربا الجبل المرتفع الوحيد وسط الأرض السهل المنحدر من الغرب الي الشرق تقابل “جبل تقوربا (قرية اب حشيلا شكور) جنوبا وعيلا عبدالله غربا عندما وصلنا محاذات جبل تقوربا توقف ابي واوقف الجمل ونظرة نحو الجبل فسألت ابي لماذا توقفنا عن المشي ونحن في أول المشوار تبسم وقال لي انظر الي هذا الجبل فيه حكاية التاريخ البطولي لشعبنا قلت له كيف ؟ نفث ما يشبه الآهات و كأنها حمم تخرج منه قال يا ابني عندما خرج عواتي ورفاقه دمغوا الباطل وانبروا للحق والعدل ليغيروا مجرى التاريخ مؤمنين حق الإيمان بعدالة قضيتهم لم يلتفتوا لا يمنة ولا يسرى تقدموا الي الأمام بكل ثبات ليكتبوا التاريخ بدمائهم اعتمدوا علي الله الواحد الأحد و من ثم علي أنفسهم فالمعارك التي قادها الشهيد عواتي كانت معارك إظهار الثورة علي السطح لكي يسمع بها الشعب الإرتري في كل أركان إرتريا.
(2)
ولكن معركة تقوربا تختلف عن كل المعارك التي سبقتها إنها بمثابة معركة بدر في التاريخ الإرتري كما كانت بدر في التأريخ الإسلامي إذ كانت انتصار لقيم الحق تفوقت علي جيش نظامي في ظل عدم التكافؤ بين القوتين فالجيش الاثيوبي كان مسلح بأحدث الأسلحة ومتفوق في العدة و العتاد و العدد أما جيش التحرير عدده محدود وسلاحه محدود لكنه أقوى من جيش الاحتلال بإيمانه بالله وعدالة قضيته ابني الذي احكيه لك هو تأريخكم وتاريخ الأجداد و الآباء يجب أن تعرفوه لكي تورثوه الأجيال التالية لكم…
قاد هذه المعركة القائد محمد علي (ابورجيلة) بكل حنكه واقتدار ولقن العدو الاثيوبي درسا وهزمهم شر هزيمه كان العدو يعتقد أنها نزه و لكنه كانت نزه أثخنت جراحه و مرغت هيبة جيشه في الريف من الثوار إنها معركة الكرامة والشرف تغني بها الشعب الإرتري وكتبت في سفر نضاله وتاريخه كانت المعركة في 15/3 /1964م و يعتبر هذا التأريخ تاريخ ميلاد جيش التحرير البطل إذ تحول أدائه من حرب العصابات و حرب الكر و الفر إلي حرب المواجهة.
كانت و مازالت كلمات ابي السردية لموقعة تقوربا في ذاكرتي وعندما بغلت المرحلة المتوسطة في الدراسة التحقت بالاتحاد العام لطلبة إرتريا ومن يومها اصبحت احضر احتفال معركة تقوربا بانتظام و كلماتي أبي تدوزن الاحتفالية وكانت قصائد الشاعر محمد الحاج موسي تلهب حماستي و تحرك لواعج الشوق لمعانقة الأرض التي ارتوت بدماء الأكرم منا جميعاً.
“تقـرّبـا” شاهد لما فعلنا لها
تنسى الأيام ولا ينسى تبارينا
يامهرجانا من الأفراح مؤتلقا
عيدا وعرسا وحقا في ذرارينا
عد من جديد لنا فالحزن مزقنا
والجرح غار الى الفؤاد يضنينا
كنا نحفظ قصيدته الطويلة علي ظهر قلب وترددها السنتنا حتى فجر التحرير ومازلنا نحتفل بها رغم إنكار النظام الدكتاتور لتاريخ الشعب الإرتري وانكار نضالاته وطمس هويته وثقافته وابدالها بلغته وثقافته وهي لغة و ثقافة الإقصاء
قد لا يعرف هذا الجيل معركة تقوربا هذه المناسبة العظيمة إنها ميلاد جيش التحرير الإرتري…

احدث المنشورات