رجال في عين العاصفة

بقلم/ فتحي عثمان

رجال في عين العاصفة

الراحل هداد كرار، الكابتن احمد شيخ فرس، رجل الأعمال حسن كيكيا رجل الأعمال عبد الرحمن يونس وحسن إبراهيم سالم وقمة الهرم الشيخ الشهيد موسى محمد نور وآخرون صدعوا بكلمة الحق امام سلطان جائر، فحبسهم الطاغية حتى أيامهم الأخيرة حتى قضوا نحبهم وهم واقفين على جمر الحق.

كل هؤلاء من كبار السن الذين لم يشفع لهم عند الطاغية كبر السن وشيبة الشعر وحكمة الدهر فزج بهم في زنازين وحرمهم ابسط حقوقهم الإنسانية وانتقلت أرواحهم الطاهرة إلى بارئها وهي تشكو ظلم السجن والسجان. استشهاد هؤلاء الشيوخ هو وصمة عار على جبين الطاغية وزبانيته. لقد صمد هؤلاء الشيوخ امام عين العاصفة وصدعوا بكلمة الحق ففاضت أرواحهم إلى بارئها وخلد التاريخ ذكراهم يوما إثر آخر. لا نختلف بأن وفاة الشيوخ في السجون انتهاك لحقوق الانسان الأساسية؛ ولكن هي كذلك دلالة أخرى ساطعة ومخزية على أن الطاغية بقتل هؤلاء الشيوخ يهدم القيم الاجتماعية خاصة تلك التي توقر الكبير وترأف بالصغير. ليس في عرف الشعب الارتري وشعوب العالم ضرب الاب وقتله واهانته، بل تكريمه وتوقيره والاحتفاء به فكبار السن هم “خزان المعرفة” ولا يبصق العاقل في وعاء يشرب منه. ولكن الإساءة إلى هؤلاء حد القتل هو رسالة بأنه لا صغير ولا كبير يمكن أن يكون في منأى من غضبة الجور. فالعقوبة في ارتريا لا تهدف إلى الإصلاح بل تهدف أن يكون الضحية درسا وعبرة لمن يليه، عبر كسر القيمة الاجتماعية الحامية للنسيج الاجتماعي وكسر الإرادة الشعبية عبر تحويل الضحايا إلى “امثولة” ولا يهم هنا عمرهم أو خبرتهم أو وقارهم. أغلب هؤلاء لاقوا بارئهم بعد حبس وتعذيب وحرمان وعندما أيقن السجان بقرب أجلهم أفرج عنهم ليلاقوا مصيرهم نتيجة المعاملة غير الإنسانية. قصص هؤلاء الرجال الأفذاذ معروفة للقاصي والداني فهم قد تحولوا إلى اعلام ونجوم في سماء الوطن؛ ولكن قصة الراحل الشهيد حسن سالم قد لا تكون معروفة للجميع فقد تم سجنه ضمن نفس الدفعة التي سجن فيها العم الشهيد احمد شيخ فرس وأفرج عنه مشلولا شللا كاملا، لا يحرك سوى عينيه وفاقدا القدرة على الكلام وتمييز ما حوله، وبعد عشرين يوما أو أقل لاقى وجه ربه بعد خروجه من معتقل معطر سيئ الصيت. هذه العقوبة هدفها كسر القيمة التي توقر الكبير وتحول الضحية إلى مضرب مثل، وهنا نؤكد بأن من ذكرناهم في صدر هذا المقال هم من نعرف من جبل الجليد العائم فكم من أمثالهم من رجال الدين والتجارة والدعوة والعلم والخير والبر والإحسان والنضال تم القضاء عليهم دون أن يرف للطاغية جفن أو يرتدع زبانيته عن إثم. ولكن ذاكرة التاريخ حاضرة وسجل المآثر مفتوح، كما هو سجل العار والخزي.

” ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا” هكذا قال رسول الرحمة عليه الصلاة والسلام، وليس منا كذلك من يعصف بالنسيج الاجتماعي بقتل الكبار والصغار دون رحمة أو وازع من ضمير. فعلي طرف الحافة المسننة للبطش لدينا عشرات من طلاب مدرسة الضياء الثائرة الذين اختفوا بعد التظاهرة الشجاعة وزمرة من صغار السن اختفت كذلك بعد مراسم تشييع البطل موسي محمد نور. وقد سبق كل هؤلاء صغار السن الذين يرزحون تحت أغلال العبودية. ولا أدل على عدم الرأفة بالصغير من واقعة حبس الصغيرة سهام علي عبده التي لا جريرة جرتها سوى أن أباها شق عصا الطاعة: فما ذنبها هي لتدفع ثمن ما لم تقترفه يداها، ولكن كما قلنا وكررنا بأن العقوبة في ارتريا تهدف إلى البطش الأعمى وتحويل الضحايا إلى “دروس وعبر حية”. وبذلك يتم ضرب عصفورين بحجر واحد: هدم المجتمع عبر تفتيت القيم، وسجنه عبر نشر الرعب.

ومن الرجال الذين صدعوا بالحق وهم في العقد التاسع من العمر البطريرك انطونيوس، بابا الكنيسة الارثوذكسية المعزول، والذي يخضع للإقامة الجبرية في منزله منذ أكثر من سبع سنوات وترفض السلطة طلب سفره للعلاج في الخارج. هذا الرجل قال دون ما خوف او وجل (لا تتدخلوا في شئون الكنيسة) وكان جزاءه ان حرم من ابسط حقوقه الإنسانية. شيخ جليل حنت ظهره السنون ولكن كسائر اخوانه يرفع انفه في شمم.

بقدر ما نخلد ذكرى هؤلاء الرجال الابطال الذين وقفوا امام عين العاصفة فإننا نعي الغرض الخفي للطاغية وزبانيته من التنكيل والقسوة والبطش، فلا نامت أعين الجبناء.

احدث المنشورات