Cultural & Information Office Of  E.L.F
Aljabha.net

إدريس عبد الله قرجاج

 

 

 

 

22/07/2017l

سواء كنت مع المعارضة الإرترية أو ضدها، وسواء كنت مع المقاربات السياسية والتنظيمية التي تضبط عملها وطبيعة تعاطيها أو تفاعلها مع ما يكابده الشعب الإرتري من ظلم ومآسي مؤلمة وعذابات جسيمة تفوق الاحتمال أو لم تكن من المتحمسين لها، بالنظر لما تسبب به نظام أفورقي الديكتاتوري المستبد طوال 25 سنة من  جحيم اكتوى بناره أغلبية الشعب الإرتري في ظل غياب قوة الردع اللازمة من قبل المعارضة بكل تلاوينها السياسية بما يتناسب وحجم انتظارات الشعب الذي طالما ضحى وقدم كل غالي ونفيس ومازال.

وهنا، والحال هكذا ربما يقول لسان المعارضة الحاضرة الغائبة أو أولئك المعجبين  بأدائها بأنها لا تملك الإمكانات الكافية ، وأن حجم المسؤوليات الموكلة على عاتقها كبيرة، وأن التحديات كثيرة والموارد البشرية والمادية تكاد تكون معدومة، وأن الإسناد العربي والإسلامي غائب ، وبالتالي أصبحت قضية اقتلاع النظام من جذوره وتحقيق تطلعات الشعب الإرتري في الحرية والكرامة والعدل والمساواة والديمقراطية تحت كنف دولة الحق والقانون مهمة صعبة، وعليه فإن وجودنا كظاهرة سياسية واجتماعية  يمثل الحد الأدنى في مقارعة نظام الطاغية الذي احتل البلاد واستباح حرمات العباد”.

وبما أن الواقع المختزل  لحال المعارضة يؤكد وضعيتها الهشة التي لا تسر محب أو معجب أو محايد، ولا تترك تعليقاً لشامت ، فلا بد وأن يقف المرء ويقول بلا تردد ولا تلعثم ولا خوف ولا حسابات ضيقة أو واسعة أننا  بحاجة إلى إعادة تعريف المعارضة بكل تنظيماتها وما أفرزته من تكتلات وتجمعات والتي لا تنقصها البرامج ولا حتى المؤتمرات والسنمارات ومخرجاتها بقدر ما ينقصها الفعالية والنجاعة بغية  تحقيق أهدافها .

لهذا كله ورغم الآلام والحسرات يمكن فتح أمالاً واسعة عبر خلخلة واستنهاض الهمم والإمساك بناصية العمل النضالي برؤية سياسية لا تخرج عن السياق العام والمتمثل في إزاحة النظام غير الشرعي وبهذا الخصوص فإن ما تحتاجه المعارضة اليوم هو التجديد في خطابها السياسي وأدائها النضالي بما يتماشى وضرورات المرحلة وقراءة العلل والمتمثلة في الآتي:

أولا: أن تصبح السياسة عند التنظيمات الإرترية وعلى رأسهم جبهة التحرير الإرترية التفاعل مع هموم وقضايا المجتمع الإرتري بكل فئاته وليس إدارة العلاقة معه.

وثانياً: أن يصبح مضمون البرامج السياسية للتنظيمات هو تنافس الخيارات النضالية المشروعة تفاعلاً مع ذاتها ، وتجاوباً مع مطالب الشعب الإرتري في الداخل والخارج.

ثالثا: لقد أظهرت المهمة الصعبة التي تواجهها المعارضة طوال 25 سنة الماضية أنها تعرضت إلى اختبارات قاسية  أدت إلى احتراق أوراقها إذ عجزت جميع التحالفات التي دأبت على إنشائها بدءاً من جبهة التضامن الإرترية  ومروراً بالتحالف الديمقراطي الإرتري وإنتهاءاً بالمجلس الوطني الإرتري للتغيير الديمقراطي. انتهت كلها بنتيجة واحدة وهي عدم قدرتها إلى إحداث النقلة النوعية التي تتناسب وحجم انتظارات الشعب الإرتري نحو الخلاص من نظام أفورقي الديكتاتوري وتحقيق  تطلعاته في الحرية والكرامة والعدل والمساواة والديمقراطية بإقامة دولة الحق والقانون بل أكتفت كل هذه التحالفات بأن تلعب أدوار هامشية لا تسمن ولا تغني من جوع الأمر الذي كشف حالة الارتباك والتخبط والضعف الذي يلف قيادات تلك التحالفات والأزمة العميقة التي تعيشها بغض النظر عن كل التحليلات وتعدد الآراء والمقاربات السياسية لطبيعة عملها والتي تشكل عزفاً في الفضاء  الافتراضي ولكنه غير موجود على أرض الواقع .

رابعاً: أظهرت المعارضة أيضاً عدم قدرتها في إقناع القوى الإقليمية والدولية بخطاب سياسي جاذب يراعي المصالح الاستراتيجية لتلك القوى بحيث تشكل قوة ضغط على نظام أفورقي بغية الاستجابة للمطالب المشروعة لكافة الأبناء الشعب الإرتري والتي تتبناها المعارضة وذلك من خلال فرض عقوبات اقتصادية أو استصدار قرارات أممية رادعة تساهم في إنهاء نظام أفورقي الظالم والمستبد.

خامسا: يبدو نتيجة للضغوط العديدة والهائلة والمتنوعة حيث منها ما هو داخلي وخارجي قد تكون سبباً في عدم وجود قيادة حكيمة في المعارضة وهذا أمر فيه وجهة نظر، وقد يكون التشتت السياسي فهذا أمر حاصل، وقد تكون المعارضة طالها الاختراق من تنظيمات وشخصيات تمثل الوجه الآخر لنظام أفورقي خاصة تلك التي تقودها قيادات كانت بالأمس القريب جزءاً أساسيا من النظام فهذا شيء مؤكد، وقد تكون طبيعة النظام الطائفي لأفورقي المستحكم في مقاليد الحكم، وعدم قدرة المعارضة في إيجاد مقاربة سياسية تتجاوز بها منطق تكريس حكم الطائفة الواحدة بمنطق التعايش الوطني الذي يمثل أساس الحكم الوطني الذي يفرض نفسه مما يدل أن المعارضة أمام خلل تنظيمي وسياسي من جهة الحسم في تثبيت مبدأ التعايش الوطني الذي يرفضه الآخر .

سادساً: تدل الوضعية الصعبة التي تمر بها المعارضة بأنها هياكل سياسية لم تستطيع الموازنة في استخدام الخيارات المتاحة في صراعها ضد النظام بالصورة المناسبة واكتفت في أغلب الأوقات التستر تحت عباءة النضال السياسي وتقديمه كأولوية دون غيره وخاصة خيار المقاومة المسلحة الذي قد يكون الأنسب في مواجهة نظام أمعن في طغيانه وجبروته وظلمه واستبداده وإهانته للشعب الإرتري الأبي .

ولذلك فإن العلاقة بين النضال السياسي والمقاومة المسلحة هي علاقة الحامل بالمحمول والفصل بينهما قد تضعفهما أو تتسبب في خسارتهما ، بمعنى ليس بالضرورة أن يكون النضال السياسي هو الخيار الوحيد والأولوية المطلقة وكما يقال توضيح الواضحات من الفاضحات.

سابعاً: لقد نجح نظام أفورقي بالرغم من عزلته وهشاشة نظام حكمه في توظيف جميع الصراعات للقوى الإقليمية ، بما تحمله من تناقضات وتعارض في المصالح والأهداف الاستراتيجية بما يضمن استمرارية حكمه وتحقيق مكاسب مالية حتى ولو كانت محدودة مما جعل الكفة تميل باتجاهه في نهاية المطاف، بينما عجزت المعارضة الإرترية في إيجاد حليف استراتيجي لها على الأقل من خلال تحليل الأحداث التي شهدها المحيط الإقليمي وبخاصة العربي الذي يمثل العمق الحيوي للمعارضة في مواجهة النظام وبالتالي تتحمل مسؤولية الفشل في تكوين تحالفات داعمة تحميها وتحقق مصالحها؟

وبعد هذا الاستعراض المختصر الذي تضمن ملاحظات عامة، فإن النتائج المستخلصة تدعونا للقول بأن نظام أفورقي  ساقط  بالمعنى الشرعي والقانوني مهما حاول التمسك بالسلطة والبقاء لن يكتب له النجاح لأن انساق السياسة الطائفية والديكتاتورية المنفلتة التي يرتكز عليها” النظام” لا يمكن أن تصمد أمام مرحلة التغيير السياسي الجديد الذي أفرزته معطيات الإحداث التي تمر بها دول المحيط الإقليمي وكذا الدولي ، والتي تؤكد مرة آخري بأن حركة التاريخ تسير إلى الأمام وإن بأشكال وأثمان مختلفة .

وبالمقابل فإن طبيعية الأوضاع المأسوية التي يكابدها الشعب الإرتري تضع المعارضة التي أخذت على عاتقها تحمل مسؤولية الإنقاذ تجد نفسها أمام مهمة صعبة تبرز فيها جملة من التحديات المتعددة والمتنوعة فالتحدي الأول : يتمثل في عدم انهيار منظومة النضال الوطني بشقيه السياسي “السلمي” والمسلح ” الثوري”.

وأما التحدي الثاني : يتجلى في المحافظة على مفاهيم الحرية والديمقراطية والمساواة والعدل ودولة الحق والقانون التي لأجلها يتحمل الشعب الإرترية كل صنوف المآسي التي تبدأ بالظلم والاستبداد والقهر، وتمر بعذابات التشرد واللجوء، وتنتهي بالموت في سجون الاعتقال أو في أعماق البحار .

ومع ذلك كله ليس من الحصافة أن نقول أن المعارضة الإرترية قد فشلت وأن نظام أفورقي قد نجح لأن مثل هذا القول لن يغير من الواقع في شيء ، ولكن ما يجب أن نؤكد عليه بأن مهمة المعارضة تزداد صعوبة ما لم تتمكن من حسم خيارتها، والله أعلم.