Cultural & Information Office Of  E.L.F
Aljabha.net

بسم الله الرحمن الرحيم

المؤتمر الوطني في أواسا : ما هي المسافة الفاصلة بين الطموح وبين الواقع ؟

الحلقة الثالثة (الأخيرة)

 بقلم /عثمان صالح

ما هو الجديد السلبي:

في الواقع المسافات الفاصلة بين جديدنا ومعهودنا بسيطة للغاية والتفريق بينهما قد يكون محل اختلاف ومع ذلك لابد من الخوض في بعض منها. ففي هذا الإطار ظهرت في هذا المؤتمر بعض المسائل والإشكاليات التي اعتبرتها جديدا ولكنه سلبي ومنها:

أولاً:المنافسة الناشئة عن الخيال والوهم:

الدفع غير العادي  والسعي الحثيث لتهميش القوى السياسية الذي تميزت به مرحلة التحضير للمؤتمر ولد نوعا من التنافس بين الأفراد منطلقين من فهم أن المؤتمر سيكون العصا السحرية التي ستزيل النظام (من غير عوامل وأسباب معقولة)وتحت هذا الشعور تحولت المنافسة على القيادة التي سيخرج بها المؤتمر إلى صراع ساخن وخصومات حامية بين الأفراد وعلى كل المستويات فلاحظنا لأول مرة إصرار أغلب الأفراد على ترشيح أنفسهم بدون مقتضيات عامة ملجئة إلى ذلك – وإن كانت الأحوال العامة وتلك الخاصة بهم لا تشجع على ذلك-( رحم الله القائد عبد الله إدريس رفض رئاسة الجبهة وهي في عزها وقوتها رغم إلحاح المؤتمرين وعطّل المؤتمر الوطني الثاني ثلاثة أيام وهو يقول اذهبوا إلى غيري وأخيرا رشّح غيره ). وعلى سبيل المبالغة يمكن القول إن كل الحضور – الاستثناء نادر جدا- سعى ليضمه هذا المجلس بأي ثمن ومهما كانت النتائج . وفي الحقيقة إن سبب هذا كان غموض الصورة عن المستقبل وغموض المطلوب تحديدا في هذه المرحلة وعلى هذا الأساس خلت قرارات المؤتمر من أي شروط ومعايير (نضالية ) يتطلبها ترشيح الفرد للمهمة القادمة فتصورها كل على طريقته. في تقديري هذه كانت ظاهرة  جديدة ذلك إن المألوف عندنا التشبث بالمواقع – يعني كانوا يقاومون الإزاحة عن موقع معروف وواضح المعالم ومحدد المهام واستنادا على رصيد مهما يكن وزنه وتأثيره وبالتالي يمكن وصفه بالدفاع عن موجود .أما المنافسة الحادة التي شهدناها في هذا المؤتمر فكانت على مواقع ومهام مفترضة وسعي نحو خيال ولا أريد أن أقول وهماً.

ثانياً: التساهل لدرجة اللامبالاة بخصوص وثائق المؤتمر:

تعودنا خلال تجربتنا الارترية ومحاولات الوحدة والتنسيق التي تمت بين القوى السياسية على الاهتمام الشديد فيما يتعلق بإعداد الوثائق والتدقيق بعمق فيما يتفق عليه من مفاهيم وإجراءات باعتبار أن المكتوب يمثل الأساس النظري للعمل القادم والضوابط الحاكمة لسيره. وكانت أكثر الجهود تبذل فيها وجل الزمن كانت تستغرقه الحوارات والمناقشات المتعلقة بالتنقيح والتصحيح لهذه الوثائق. لكن هذا المؤتمر شهد تراجعا كبيرا في هذا الجانب فرغم الجهود والعناية الكبيرة التي بذلتها المفوضية في الإعداد فان المؤتمر (مجتمعاً)لم يناقش هذه الوثائق وعليه لم تحظ هذه الوثائق بالعناية المكملة لدور المفوضية وحتى الورش طلب إليها المناقشة فقط وعدم (إقرار) أية تعديلات على أمل أن تكلف لجنة في نهاية أعمال الورش بصياغة هذه الآراء لعرضها على المؤتمر مجتمعا وهو ما لم يحدث. وبالتالي فان (المؤتمر) لم يقل رأيه في هذه الوثائق فهو لم يقر هذه الوثائق كما قدمتها المفوضية كما انه لم يقر ما ورد من تعديلات على ضوء نقاشات الورش وفق ما قدمته لجنة الصياغة(باستثناء تعديلات لخمس فقرات من أصل مقترحات بتعديلات تجاوزت العشر صفحات). وهذه الحالة جديدة في المسيرة وأرى أنها سلبية تنم عن عدم اهتمام بالوثيقة رغم أهميتها الكبيرة لأنها هي الشاهد علينا – وعينا السياسي والفكري ومواقفنا من قضايانا المركزية ونضوجنا التنظيمي -عبر التاريخ وهي الحكم والمرجع إذا اختلفنا في تفسير المطلوب. ومع ذلك لم يكن نصيبها بقدر أهميتها.

ثالثاً: مخرج بجسم واحد (المقاومة)وبرأسين :

من أهم صور الجديد السلبي الذي خرج عن هذا المؤتمر مجلس وطني وتنفيذية (يعني قيادة سياسية ) بدون تحديد الشيء الذي ستقوده هذه القيادة . وهذا أمر غريب لم يحدث في مسيرتنا السياسية إلاّ هذه المرة فالقيادة المركزية للتحالف مثلا تقود تنظيمات بغض النظر عن مدى تأثيرها على التنظيمات ويقال ذات الشيء عن بقية الكتل السياسية فمن يقود إذن المجلس الوطني وتنفيذيته ؟.طبعا أن يقال يقود الشعب الارتري فهذا كلام بعيد عن السياسة وحتى لو افترضنا الرغبة في ذلك فان المجلس سيحتاج إلى وسيط (آليات سياسية) بينه وبين الشعب وهذا ما لم يتم الحديث عنه. المجلس لوطني في ليبيا كان يقود تحالف عدد كبير من القوى السياسية وكذلك الثورة في مصر كانت تقود الشارع عبر الكيانات السياسية المتحالفة والأمر مثله في تونس والآن في سوريا المجلس قيادة لتحالف قوى سياسية كثيرة على الساحة السورية.والأمر عندنا أصعب لأن المؤتمر لم يعمل على تحديد الكيان الذي سيقوده المجلس وبما أن أهم التنظيمات والأحزاب منتظمة في التحالف الديمقراطي الارتري وبما أن هذا الالتزام ما يزال قائما ظهرت لدينا بنهاية المؤتمر قيادتان مجلس وطني وتنفيذيته وقيادة مركزية وتنفيذيتها . لكن الأخيرة تعرف إلى من تنتمي ومن تقود بينما الأولى وهي الأحدث تفتقد هذه الخاصية ولن تكون لها مرجعية ولا أدوات تنفيذ إلاّ بوجود كيان سياسي يكون وسيطا بينها وبين الشارع الارتري لأن المشروع الذي ستنفذه لابد من أن يبسط ظله على قوى سياسية تنزله إلى هذا الشارع. ومما يصّعب الأمر أكثر هناك غياب تام لتنظيم العلاقة بين هاتين القيادتين ومن المرجح أن يسير هذان الرأسان في خطين متوازيين وهذا ما سيشل فعل أحدهما ويقلل المردود المرتجى في أحسن الأحوال  . ومما يرجح هذا الاحتمال مشاركة العديد من القيادة المركزية وتنفيذية التحالف في المجلس وتنفيذيته وبالتأكيد هم أعضاء مجالس وتنفيذيات في أوضاع تفرغ تام لتنظيماتهم مما سيشتت جهدهم وولاءاتهم بيم هذه الجهات المتباينة البرامج  . وهي ملاحظة جديرة بالاهتمام ذكرها الأستاذ على علي عافه إدريس . فهل ذلك من ندرة الكادر أم بهدف تقييد الجهود بهذه المركزة القاتلة؟ هذا ما ستكشف عنه قادمات الأيام.

رابعا: تجاهل نصيب الداخل في تكوين القيادة:

أمر مهم ذلك الذي ذكره الأستاذ محمد عبد السلام من أن تجاهل الداخل في تكوين القيادة قد يبدو مؤشرا من إحدى زواياه إلى أننا في المؤتمر قد اعتبرنا الداخل من حصة النظام وربما يستغل النظام هذا في التعبئة ضدنا.وباعتبار الصعوبة المتصورة في الوقت الراهن في أن يكون الداخل مشاركا من الناحية العملية في تكوين القيادة كان المفروض أن تترك نسبة من العضوية في القيادة تحت عنوان (الداخل) شاغرة وكان مثل الأمر مهما وإن لم تملأ تلك المساحة عمليا بأسماء . ذلك لأن مجرد تركها للداخل كان سيلعب دورا كبيرا في انسجام الداخل مع المقاومة وإقراره وإعلانه كان أهم من تطبيقه عمليا وهو جانب مهم من الحرب في مواجهة النظام.

هذه بعض ملاحظاتي وقراءتي للنتائج أرجو أن تصدق الأيام القادمة ما ظننته ايجابيات وألاّ يصدق ظني فيما اعتبرته سلبيا – وقد تحفظت عن ذكر الكثير منها – لأني لا أريد لهذه المسيرة إلاّ كل خير وتقدم  وأن تتغلب ايجابياتنا على سلبياتنا . وكل أملي أن تتكلل جهودنا بالنجاح رغم ما فيها من عثرات ونتمكن من إنقاذ شعبنا من هذه المعاناة التي يعيشها على يد هذه الزمرة المتخلفة عن مقتضيات العصر المطبقة عينيها عن رؤية حقائقه ومعطياته ومستحقاته.