مناضلون تكسرت على صخرة صمودهم غطرسة السجان

بقلم المهندس / سليمان فايد دراشح

 

بغض النظر عن الأهداف والتوجهات والبرامج العملية فإن القناعة التي تشكل القاسم المشترك بين أطياف المعارضة الارترية، هي أن فكرة أنا والاستعلاء والتهميش عشعشت في عقلية نظام الهقدف الحاكم في ارتريا وأن الهقدف نظام ديكتاتوري من نوع فريد. لذلك لا يؤمن حتى بمجرد وجود ذلك الآخر الوطني ناهيك عن أن يكون معارضاً سياسياً وأعتبر كل معارض لممارساته فرداً خائناً يمكن حسمه بالتصفية الجسدية أو سجنه أكثر من الإصغاء لصوته ومحاورته.

من المؤسف أن أوساط عديدة كانت تتجاهل أو لا تعرف حقيقة هذا النظام عندما تولى مقاليد الحكم في أسمرا عشية إنسحاب الجيش الأثيوبي في 24/4/1991م ولكن تتابعت الأيام والسنين وتوالت الأحداث، لتصل الأوضاع في ارتريا لأسواء مرحلة في التاريخ الارتري المعاصر .. فإذا بصرخات الاستياء تتصاعد من الداخل والخارج وظهرت أصوات احتجاج مفادها أن أزمة أنسانية تتعرض لها البلاد بصورة خطيرة واتضح للجميع بما فيهم المناضلين الشرفاء من حزب الهقدف نفسه الذين نفضوا أيدهيم من النظام أن قيادة الهقدف تحتقر القوانين الدولية ولا تعترف بالثوابت الوطنية ووتصرف حسب ميولاتها العدوانية وبالتالي فإن سلبيات الهقدف جاءت نتاج طبيعي لتراكمات وأخطاء وأحقاد قديمة، أساسها انتهاج أساليب غير قانونية ودستورية وأخلاقية في تعاملها مع الأحداث والآخرين وتنكرها الصريح والمعلن للعمل الجماعي الوطني وانفرادها بدون أي وجه حق بالسلطة لأكثر من عقدين من الزمان وإتباع أسلوب التهميش والإقصاء والإعتقالات والإغتيالات وتكميم الأفواه ومصادرة الحريات العامة والخاصة لكل من يتبنى رأياً مخالفاً ولم يقف نظام الهقدف عند هذا الحد فقد ذهب إلى أبعد من ذلك بتنكره لمبادئ الثورة الارترية وخان أهدافها الوطنية والأدهى والأمر نصب نفسه عدواً جديداً للشعب الارتري بجميع مكوناته الإجتماعية والسياسية والدينية وفرض عليه الإستمرار على طريق النضال الشاق والتضحيات واللجوء والتشرد والاغتيالات والاعتقالات وزعزعة أمنه وإستقراره وسلامته ولم يترك هذا النظام اللئيم المجرد من كل القيم الانسانية أي عمل من شأنه إذلال وإهانة واستفزاز الشعب الارتري العظيم.

ففي الداخل بلغت الأمور إلى حد تعجز الكلمات عن وصفه، السجون إمتلئت بالأحرار الأبرياء، لا محاكمات ولا يسئل عنهم ولا يعرف لهم مصير ومن يسأل عنهم بالداخل يعرض نفسه لمشاكل جمة من قبل الأجهزة الأمنية للهقدف!!.

واليوم يقبع في غياهب سجون الهقدف مناضلين أفذاذ يعانون الألم والحرمان والظلم والجور والقهر، مناضلين تكسرت على صخرة صمودهم غطرسة السجان والجلاد. . مناضلين رفضوا حياة الذل والهوان والخضوع والإنكسار وقالوا بأعلى صوتهم لا وألف لا لبقاء نظام الهقدف الاستبدادي الشمولي الدموي الحاقد في سدة الحكم في ارتريا .. مناضلين عرفوا أن أمر البلاد والعباد تولاها أحقر الناس وأرذلهم فوقفوا لهؤلاء المارقين الجبناء الذين استباحوا دماء الشعب الارتري ودمروا مقتدراته.

هؤلاء المناضلين هم مفخرة لكل أرتري وطني شريف، وكيف لا وأن ارتريا أنجبتهم وخاضوا معارك التحرير حتى النصر واليوم يناضلوا ليثأروا لكل من عانى من بطش نظام الهقدف اللعين. .. وبالتالي أن النضال من أجل حرية المعتقلين هو واجب وطني وعلى الجميع العمل في هذا الاتجاه وأن لا تنطلي على المجتمع المحلي والدولي أكذوبة الهقدف الذي تقمص عند استلامه دفة الحكم في ارتريا بقمصان الدولة الوطنية المخلصة للشعب، فكانت النتيجة بعد مرور أكثر من ربع قرن من الزمان مناهضة هوية غالبية الشعب الارتري بكل مخزونها التاريخي والثقافي والحضاري والديني وتشويه التاريخ وسجل ملطخ بالاعدامات والاعتقالات والتعذيب وإجبار الكثير من فئة الشباب إلى الهروب واللجوء ليكون عرضة للموت في الصحاري والبحار والمحيطات أو ضحية للمارسات اللاإنسانية من تعذيب وإغتصاب وبيع أعضاء الجسم على يد شبكات الإتجار بالبشر التي تضم عناصر من أركان النظام الساقط وبعض الرشايدة – زبيدية – المنبوذين والمجرمين القذرة وعصابات عالمية مجرمة أخرى، ويعيش من تبقى من الشعب في الداخل حياة الفقر بسبب عسكرة المجتمع بأسره لتعطيل الأنشطة الاقتصادية واتساع دائرة الفقر والحرمان من أبسط مستلزمات الحياة الضرورية والأمراض الفاتكة وإنتشار الرذيلة بكل أشكالها انتشار على نطاق واسع المضايقات والمطاردات الأمنية اليومية بحيث أصبح الجار لا يأمن جاره والأخ الشقيق لا يأمن شقيقه والزوج لا يأمن زوجته والموظف لا يأمن زميله في العمل. وبهذه الصورة يعيش كل الشعب في الداخل في سجن كبير محاط بالأجهزة الأمنية والاستخباراتية المدججة بالأسلحة الفتاكة، وهذا الوضع الخطير خلق حالة من الرعب والخوف والهلع بين الناس كما قام النظام بزج الشعب الارتري في حروب طاحنة مع دول الجوار راح ضحيتها ألاف الشهداء كان البلد وأسرهم في أمس الحاجة إليهم وهذا الشاعر محمد سعيد ابراهيم عبد الله (التركي) يقول في مقطع من قصيدته الرائعة ” حزب الإغتيالات” :

ويحكمنا حزب الإعتقالات

خبير في الإغتيالات

ونفطه بارات وداعرات

فلتشرب كأسك يا وطن

النوايا تغتالك يا وطن

أن عزل المناضلين الشرفاء وإتخاذ إجراءات عقابية بحقهم يجب أن ينقلنا من رداءت الفعل إلى الفعل الممنهج المتواصل والمتراكم من أجل إطلاق سراح كل المعتقلين الذين يتعرضون لصنوف مختلفة من التعذيب النفسي والمعنوي والجسدي على مدار اللحظة بدءاً من أشكال الاعتقال التعسفي ومروراً بالتعذيب واستخدام القوة المفرطة وانتهاءاً بالحرمان من الزيارات والعزل الإنفرادي في الحفر المظلمة تحت الأرض والتنصل من توفير الاحتياجات الأساسية للمعتقل السياسي من مأكل ومشرب وعلاج، وبالتأكيد هذه الممارسات من قبل نظام الهقدف ضد المناضلين الوطنيين الأبرياء ترتقي إلى مصاف جرائم حرب . وإذا كانت القاعدة هي احترام حقوق الإنسان فإن القاعدة في سجون الهقدف عكس ذلك تماماً فهي انتهاكات لا حدود لها مما يتطلب تدويل هذه القضية وإستخدام آليات جديدة وأدوات نضالية فعالة.

ولهذا يجب أن لا يقتصر التضامن مع معتقلينا السياسيين على الحضور العابر أو الظهور الإعلامي أو التصريحات عبر الفضائيات وإلقاء الكلمات، وإنما يجب أن ترتبط الأقوال بالأفعال على أرض الواقع من خلال المشاركة العملية والفعلية مثل الاعتصامات والمظاهرات واللقاءات التضامنية الحاشدة في الداخل والخارج ومطالبة منظمات حقوق الإنسان للقيام بزيارات ميدانية لسجون الهقدف والاطلاع على الوضع المأساوي على الطبيعة ودعم والاهتمام بأسر المعتقلين والسياسيين.

ولسان حال هؤلاء المناضلين المعتقلين يقول :

أنا الأسير

من بين الظلام أناجي

أحلامي خيالي

آلامي تعاني

جروح قلبي تنادي

فهل أحد يداوي

أنقذوني من ظلام دامس

أنقذوني .. لكني لا أزال صامدا

خلف قضبان الحديد

بين السجان والجلاد

قولوا لي ما حال اطفالي

قولوا لي من يمسح دمعهم

من يقبل جبينهم

لكن سنعود .. لأننا الشموع الصامدة

في وجه العاصفة القاهرة

وسأبقي مع بلادي

سأحميها بفؤادي بأنفاسي

وهنا يسأل سائلاً أين فصائل المعارضة الارترية من قضية المعتقلين السياسيين؟ وأين الجمعيات والمؤسسات الأهلية من التضامن مع هؤلاء المعناضلين وأسرهم الكريم؟ أين نحن من المعتقلين قولاً وفعلاً؟ ممن تقدموا الصفوف وحملوا أرواحهم وسنوات عمرهم على أكفهم وصاروا بها نحو عتمة الزنازين من أجل تحقيق الاهداف التي استشهد من أجلها الألاف.

كلهم قد ذهبوا إلى جحورهم

وتركوك بين الدخان واللهب؟!

هذا هو المشهد العام في ارتريا، وفي رأيي أن نظام الهقدف الحاقد المتخلف بهذه الممارسات العدوانية لا يرغب في أي ارتري وطني شريف وهذه هي طبيعته وهذه هي نفسيته الذي عرفها الشعب الارتري قبل التحرير وبعد التحرير ووصل جميع الناس في ارتريا الى قناعة بأن هذه النظام المعزول حتى الحيوانات لا تعيش معه في سلام ووئام، أنهم فئة ضالة لا يؤمنون بحقوق الإنسان ولا يعترفون بالمواثيق والعهود ولا يرغبون في التعايش السلمي في وطن يتسع للجميع!!

إذا ماذا ينتظر من ناس قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشدة قوى!! ماذا ينتظر من فئة ضالة تلطخت أيديهم بدماء ألاف الشهداء من أبناء ارتريا وزجت بالألاف من المناضلين الشرفاء في سجونها المظلمة بمجرد أن إختلفوا معها في الرأي.

فلنتوحد جميعاً تحت شعار (الشعب الارتري يريد أن يرحل نظام الهقدف) فالنتضامن جميعاً ونرفع صوتنا عالياً مكبراً ومجلجلاً لإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين لدى أجهزة أمن نظام الهقدف. ونردد جميعاً :

لابد للقيد أن ينكسر رغم أنف وغطرسته.

نعم معتقلينا في سجون الهقدف هم بحاجة ماسة لوحدة قوى المعارضة الارترية والعمل الجاد من أجل إعادة الإعتبار لقضيتهم على كافة المستويات وفق خطة استراتيجية تعتمد على العمل التراكمي في الفعل، فلتنفض المعارضة الارترية غبار التشتت والضعف وتطرد الجواسيس والعملاء التابعين لنظام الهقدف من بين صفوفهم مثل المعتوه جرنليوس وجماعته الضالة وأشباههم من الخونة والجواسيس، ولتطلق – المعارضة – صوت الفعل المؤثر لدعم المعتقلين البواسل الذين يتعرضون للقتل البطيء من خلال منظومة من الانتهاكات المتعددة الأشكال.

ومن هنا نبعث برسالة إلى العالم أجمع الذي يدعي الحرية والديمقراطية عامة وأشقائنا العرب بصفة خاصة مخاطبين من خلال رسالتنا الإنسانية ضمائرهم التي تتبلد، بل وتموت حين الأمر يتعلق بالوضع الإنساني للشعب الارتري ولمعتقليه السياسيين، متسألين في الوقت ذاته إلى متى يتهرب المجتمع الدولي والعربي من مسئولياته تجاه ما يجري في ارتريا من إبادة جماعية للشعب الارتري الأعزل.

ومن هنا تتأتى ضرورة البحث عن آلية والعمل وفق خطة ممنهجة للتضامن مع هؤلاء المناضلين الذين يتطلعون إلى تحريرهم وعدم إبقائهم رهينة في قبضة الهقدف لعقود قادمة.

وأود هنا أن أشير إلا أنني لا أضع نفسي موضع المتابع والمحلل والمقيم والمحاسب وإنما الآلام التي اعتصرت قلبي هي ما دفعتني لكتابة هذا المقال المتواضع لعل كلماتي تصل للمعنيين. وأحسب المعتقلين السياسيين الارتريين بحاجة إلى تضامن قوي وحضور دائم وفعل متواصل، بل يحتاجون منا الأكثر من ذلك، وفي رأي إن الإنتصار لقضية المعتقلين يكون في المقام وضع قضيتهم بشكل مستمر على جدول أعمال الفصائل الارترية المعارضة والمنظمات الدولية والاقليمية ذات الصلة وإثارة قضيتهم إعلامياً وفضح ممارسات الهقدف.

وبمناسبة عيد الأضحى المبارك والعيد (53) للثورة الارترية أكتب عنكم جميعاً أيها الأحبة وأنتم هناك تحت الحفر المظلمة وتعانون وجع البعد عن الاهل وعذاب السجن وعنجهية السجان والقيود التي تجعل حياتكم ظلاماً وعتمة ووجعاً لا ينتهي وأعلم أيها الاحبة أن حالكم وأحوالكم في يوم العيد مهما كتبت عنه فلن أصل إلى الإحساس الحقيقي بما تعانون، فلربما أكتب لنفسي ولأهلي ولقيادات وقواعد فصائل المعارضة الارترية في الداخل والخارج وكل جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان في العالم. عسى أن نعمل جميعاً فعل حقيقي ملموس لإطلاق سراح هؤلاء المناضلين الشرفاء الذين يدفعون ضريبة الرأي والحقيقة.

وأدعوا لك أيها المناضل السجين ما دمت تحيا بكرامتك ولم تستكين ولم تخضع للجلاد. وأقول لك كل عام وانت بخير وعوض الله أيامك بكل ما هو خير.

هذه كلماتي لك حباً وإجلالاً وتقديراً وعيوني مخطوفة إليك وقلمي من القهر هزيل!!

احدث المنشورات