Cultural & Information Office Of  E.L.F
Aljabha.net

ورقة للنقاش

إرتريا كوطن أم

المشكلات والتحديات التاريخية والراهنة

البروفيسور: تسفاظيون مدهاني

جامعة بريمن- ألمانيا

بريمن: سبتمبر 2012

تـــرجمــة: زين العابدين محمد علي “شوكاي”

توضيح وشكر

هذا المنشور تم إعداده كدراسة واضعين بعين الاعتبار المؤتمر الذي يتم الإعداد له للانعقاد من 5 وحتى 7 أكتوبر في مدينة كاسل الألمانية لجبهة تحرير الوطن الأم إرتريا. والهدف من ذلك هو المساهمة في إثراء النقاش بصورة ما سواء في المؤتمر المزمع عقده، أم في النقاشات المتعلقة بالوطن الأم إرتريا في أي مكان وزمان آخر. وهذا هو المبرر في نشره مسبقًا تحت مسمّى “ورقة للنقاش “.

تعتبر هذه الدراسة مبادرة شخصية مني، وليس هناك أية حركة أو أي تنظيم دفعني أو حثني على القيام بها. وأشير هنا إلى أنني أتحمل وحدي كامل المسؤولية بالنسبة لمحتوى هذه الوثيقة ونشرها.

هناك إخوة قدموا لي مساعدات هامة وبمختلف الطرق للقيام بإعداد هذه الدراسة وإكمالها. فالبعض منهم أرسل إلي وثائق، والبعض الآخر قدم لي معلومات، كما أن البعض منهم قدم لي أسئلة هامة تتعلق بمحتوى الوثيقة عندما قمت باستشارتهم، بينما كانت الوثيقة في طور الإعداد، وأبدوا آراءهم بسخاء. لهؤلاء جميعًا أقدم امتناني العميق.

تسفاظيون مدهاني

بريمن: سبتمبر 2012

 

 

 

 

 

إرتريا كوطن أم

المشكلات والتحديات التاريخية والراهنة

 تسفاظيون مدهاني

بريمن ألمانيا

 عدد الإرتريين الذين يرغبون في الاستماع إلى الأخبار عن بلدهم في مثل هذه الأيام قليل، أو آخذ في التناقص، والأخبار التي تأتي إلينا هي أخبار مؤسفة ومقلقة. وحتى في وسائل الإعلام العالمية فوطننا في الغالب الأعم، يتم ذكره بالترابط مع المآسي والدمار. أما المفاهيم الأخرى مثل الرفاهية والاستقرار أصبحت مفاهيم غريبة على وطننا إرتريا.

ويمكن لأي مراقب منصف تقريبًا أن يرى بوضوح أن بلادنا تمر بأسوأ حالات الذل والهوان. فالمجتمع الإرتري بأسره مضطهد ويعاني في كافة مناحي الحياة بصورة لم يشهد لها مثيل في تاريخه. وأن الوطن ينادي لإنقاذه بصورة عاجلة، مطالبًا أبناءه بتنظيم صفوفهم للنضال في جبهة واحدة للدفاع عن الوطن الأم من أجل تأكيد الوجود.

وبالتالي لا تدعونا هذه الأوضاع إلى البحث والنقاش حول مفهوم الوطن الأم إرتريا فقط، بل يتطلب منَّا ذلك. وفي استجابة موضوعية لهذا الطلب ها أنذا أقوم بدوري بنشر رسالة للنقاش اعتقادًا مني بأنها تسهِّل عملية الحوار، وذلك بعنوان: “إرتريا كوطن أم – المشكلات والتحديات التاريخية والراهنة”.

وقبل البدء في رسالتي هذه أرى من الضروري أن أتطرق باختصار لوفاة رئيس الوزراء الأثيوبي الأسبق ملس زيناوي.

ففي هذه الأسابيع يدلي المراقبون للأوضاع السياسية في منطقة القرن الأفريقي بتقييماتهم وشهاداتهم المتعلقة بوفاة رئيس الوزراء الأثيوبي السابق ملس زيناوي. وقد أعرب الكثير منهم، سواء أكانوا إرتريين أو إثيوبيين أو أجانب، عن مدى حزنهم على وفاته بدرجات متفاوتة.

وبهذه المناسبة أرغب أنا بدوري أيضًا في أن أعبر عن حزني لرحيله في هذه السن التي يمكن أن يقال عنها إنها سن مبكرة، بصرف النظر عن عدم قناعتي ببعض الأهداف والممارسات السياسية للسيد ملس ونقدي لها. وأتمنى لأهله وذويه الصبر.

والأسباب التي تجعلني آسف على رحيل السيد ملس في هذه السن المبكرة كثيرة، أحد هذه الأسباب هو التالي: تعريف السياسيات التي انتهجها السيد ملس تجاه إرتريا ونتائجها يمكن أن تكون مثار جدل. وهنا لا أرى أية ضرورة للدخول في تفاصيلها. ولا يمكنني أن أنسى حتى لو لم يكن الأمر مثار غضب بالنسبة لي تلك البرامج التي سعى إلى تنفيذها والضارة عمليًّا باستقلال إرتريا الذي كان يبدو في الظاهر أنه كان حريصًا عليه. وأُقدِّر شخصيًّا أنه كان يمكنه التراجع عن بعض ممارساته، والاعتذار ممن تضرروا منها، بعد القيام بإعادة تقييمها، كما ينبغي على كل واحد منّا أن يفعل، وذلك بعد أن يكون قد اكتسب النضوج السياسي العميق الذي يمكن اكتسابه بعد سنوات العمل الطويلة، فيما لو كانت قد كتبت له الحياة والصحة. ويؤسفني كثيرًا عدم حصوله على الفرصة للقيام بمثل هذا العمل.

مضى السيد ملس وقد ترك وراءه تراثًا مثيرًا للجدل. فالبعض منّا يثني عليه ويدعو له بالخير، والبعض الآخر يلومه ويدعو عليه بالشر. وكثيرًا ما يكون موت الزعماء مثار خلاف بالنسبة للتقييمات الصادرة بحقهم. بعضها يميل إلى الجوانب السلبية وبعضها إلى الجوانب الإيجابية، وهذه هي الحقيقة. إلاّ أن الخلافات المتعلقة بالسيد ملس كونها  تتميز بالحدة والتباين الكبيرين، فحتى لو لم تكن غريبة، إلا أن لها مدلولات عميقة.

فقوى المعارضة الإرترية ظلت تردد خلال الفترة الماضية كلمات الثناء الوافر في حق الراحل باعتبار أن الموت في أعرافنا الشعبية يعتبر حدثًا جللًا. لذا يبدو أنه عندما يرحل شخص ما هناك ميل في الماضي والحاضر لإبراز الجوانب الإيجابية فقط. وحتى لو كانت هذه هي الحقيقة، كانت هناك بعض الاطراف الإرترية التي نشرت آراء حول رئيس الوزراء الراحل ملس زيناوي والتي كانت مدعاة للتفكير. خاصة تلك التي تناست الجرائم التي ارتكبت بحق ثورتنا، والتي كانت في محتواها لا تبدو متسقة مع المشاعر الوطنية الإرترية مما أثار حفيظتي بعض الشيء.

وقد تنبهت لهذا الأمر بمحض الصدفة، وذلك أثناء إعدادي هذه الدراسة المتعلقة بالنظر إلى إرتريا كوطن أم، وطبيعية تركيبتها، والمشكلات والتحديات التي تواجهها، حيث اطلعت على بعض الكتابات التي صدرت عن بعض قوى المقاومة. وبحكم ملاحظتي الفرق بين الأفكار التي كنت أقوم بتسطيرها والكتابات التي كنت أقرأها فقد اضطررت للقيام بالمزيد من الدراسة حول الموضوع. وبالتالي أود أن أشير إلى أن هذه المناسبة منحتني الفرصة لأن أتعمَّق وأُوضِّح أكثر الموضوع الذي سأقوم بتناوله.

-1-

وللدخول في موضوعنا الرئيسي، إرتريا بحاجة إلى قوة تنقذها على شكل جبهة للدفاع عن الوطن الأم. ماذا نعني بجبهة الدفاع عن الوطن الأم؟ عند الحديث عن الوطن الأم، والذي سنتطرق إليه لاحقًا بشيء من التفصيل، لا نعني فقط الأرض والإنسان، بل هو مفهوم شامل يضم أيضًا التراث والقيم والتاريخ والحضارة. وفيما يخص إرتريا كل هذه القيم مهددة فيها اليوم، بل الوطن مهدد بالزوال من أساسه، كما أن هناك قلق من أن تتقطع أواصر المجتمع من جذورها. وفي هذا الوقت بالتحديد مطلوب من كل إرتري يعتبر إرتريا وطنه الأم خوض النضال من أجل تحريرها.  

فإرتريا بلد من بلدان العالم الثالث، وبالتالي فهي لم تأت نتاج تطور طبيعي نسبة للتفاعلات التاريخية بين مكوناتها، بل هي صنيعة عمليات الترقيع الفوقية التي قام بها المستعمر الأجنبي الإيطالي. عليه ظلت المرتفعات الإرترية جزءًا من شمال إثيوبيا (الحبشة)، أما المنخفضات الغربية، رغم أنها كانت تتكون من كيانات قديمة تتمتع بحكم ذاتي، إلاّ أنها كانت ترتبط بين حين وآخر بمنطقة شرق ووسط السودان، بما فيها سنّار.

وعندما انتهى الاستعمار الإيطالي في عام 1941، كانت هناك مزاعم تاريخية لبلدان مثل إثيوبيا ومصر اللتين طالبتا بأن تمنح لهما إرتريا أو أجزاء منها. كما كانت هناك مصالح استراتيجية لكل من بريطانيا وإيطاليا. وبالتالي وضعت في تلك المرحلة عمليًّا قضية السيادة الوطنية الإرترية ومدى أهلية إرتريا كوطن أم لمكوناتها موضع تساؤل.

ولفهم تلك الأوضاع علينا مراجعة الأجواء السياسية التي كانت تسود في إرتريا حينها. فعندما هُزِمَت إيطاليا، احتلت بريطانيا إرتريا كممثل لقوات التحالف، وأنشأت فيها بعد فترة وجيزة فقط إدارة عسكرية. هذه الإدارة بذلت أقصى ما تستطيع لربط مستقبل إرتريا بما يتلاءم مع المصالح الاستعمارية البريطانية في المنطقة.

ولفهم الأسلوب البريطاني علينا أن نتنبه لخطتين كان مهندسو السياسية الخارجية الإيطالية قد وضعوها للتعامل مع إثيوبيا، وهاتان الخطتان هما “سياسة شوانا”، و”سياسة التجرنيا”. وكانت الخارجية الإيطالية تُفضِّل “سياسة شوانا” التي تعتمد على خلق علاقات حسن جوار بين الإمبراطورية الإثيوبية والمستعمرات الإيطالية المجاورة لها. ولتنفيذ مثل هذه الخطة كان على ساسة إيطاليا أن يدعموا حصر السلطة في أديس أبابا وضواحيها بأيدي إقطاعيي إقليم شوا.

أما “سياسة التجرنيا” والتي كانت تحظى بدعم مكتب المستعمرات الإيطالي كانت تناهض “سياسة شوانا”. وكانت ترجمة هذا المفهوم عمليًّا يتمثل في دعم وتشجيع الأطراف التي تناهض الحكومة المركزية في شوا. وفيما يخص إقليم “تجراي”، كان المبدأ الذي تنطلق منه “سياسة التجرنيا” تقوية القيادات الإقطاعية التقليدية فيه بهدف تفكيك وإضعاف سيطرة حكومة شوا.

وفي الفترة التي أنشأ فيها البريطانيون إدارة عسكرية في إرتريا، كانت لديهم محاولات للسيطرة على إثيوبيا بصورة استعمارية بعد أن استقلت من الاحتلال الإيطالي في عام 1941. ولتنفيذ مثل هذه الخطة اختار البريطانيون “سياسية التجرنيا” من بين السياستين اللتين تم ذكرهما، لتكون موجِّهة لسياساتهم. كما أن مقارباتهم للشأن الإرتري جاءت بصورة تخدم “سياسة التجرنيا”.

وباعتبار أن الإدارة العسكرية البريطانية كانت تنتهج فيما يخص إرتريا “سياسة التجرنيا”، كان هدفها الرئيسي “إلحاق تجراي بإرتريا”. وعندما يتم فصل تجراي تقريبًا ويتم إلحاقها بإرتريا، يمكن للبلدين معًا أن ينشئا ما يعرف “بوطن التجراي”. هذا الوطن الجديد، وبعد خضوعه للانتداب البريطاني، يمكن ربطه بإثيوبيا غير المركزية بعلاقة غير متينة. وربطًا بهذا الموضوع كانت سياستهم تهدف إلى تجزئة إرتريا، بربط المنخفضات الإرترية بالسودان، بحكم أن السودان كان خاضعًا في تلك المرحلة للسيطرة البريطانية، وكانت بريطانيا تعتبره معقلًا مأمونًا لها. ووفقًا لهذا البرنامج كانت الشواطئ الإرترية التي تقع جنوب مدينة مصوع  برمتها ستلحق بأثيوبيا. وبالتالي المرتفعات الإرترية حتى مصوع بالإضافة إلى تجراي كان من المقرر أن ينشأ فيها “وطن التجراي”.

وتنفيذًا لهذا البرنامج كان الحاكم العسكري البريطاني ستيفن لونغريغ يتحرك لإيجاد مفهوم “المشاعر الوطنية التجراوية”، التي وجدت لها مكانًا في الفضاء السياسي الإرتري. وبالتالي كثف البريطانيون تحركاتهم لتسود المشاعر التجراوية في أوساط المسيحيين المتحدثين بالتجرينية من أبناء الهضبة.

ولتمرير هذا الهدف كان على الشعب الإرتري أن ينخرط في الحراك السياسي ليتم استهلاك طاقاته في نقاشات وخلافات. وتحقيقًا لذلك أنشأوا بسرعة حرية الصحافة وحرية تنظيم الأحزاب السياسة في البلاد، هذا الأمر وإن كان مطلوبًا في حد ذاته، ويساعد على التطور، لكن البريطانيين قاموا به لحماية مصالحهم، ولزرع الشقاق في صفوف شعبنا، وبالتالي من المهم وضع ذلك في الحسبان.

ففي الوقت الذي كانت فيه الأجواء السياسية في إرتريا متأثرة سلبًا بالمؤامرات التي كانت تحيكها بريطانيا، كان جيل الآباء قد انخرط في العملية السياسية لتقرير مستقبل بلادهم. وكان ظهور الخلاف فيما بينهم حول مصير إرتريا أمرًا حتميًّا، وهذا ما حدث بالفعل. فالبعض منهم كان يدعو إلى وحدة كاملة مع إثيوبيا، بينما كان البعض الآخر يدعو إلى الاستقلال الكامل. وكان هناك من يرى أن تخضع إرتريا تحت حماية الأمم المتحدة أو الحماية البريطانية. أما أولئك الذين كانوا يسعون إلى محو إرتريا من الوجود بتقسيمها بين السودان وإثيوبيا لم يألوا جهدًا لإذكاء جذوة التقسيم.

 

-2-

وكان من بين الأحزاب المنادية بالاستقلال والذي كان اسمه الرسمي “حزب الحرية والتنمية الإرتري- إرتريا للإرتريين”، كان العامة كانوا يطلقون عليه اختصارًا حزب “إرتريا للإرتريين”، بينما كان البريطانيون يطلقون عليه “الحزب الليبرالي التقدمي”. كان موقف هذا الحزب، خاصة في بداياته، توحيد إرتريا مع الجزء المتحدث بالتجرينية جنوب نهر مرب في تجراي وما بعدها، ليُشكِّل وطنًا ذا سيادة بعد فترة وصاية بريطانية. وهذا التوجه عرف لاحقًا ب”تجراي – تجرينيي”.

بالتالي شعار “إرتريا للإرتريين” كان في حقيقته مشروع ” تجراي-تجرينيي”. وما كان يعرف ب”قوم الأجاعز” أو “أرض الأجاعز”، لم تكن جزءًا من الأرض التي تعرف اليوم ب” مَرَب مِلَّاش”* – ما قبل نهر مرب “القاش”، بل تمتد شرقًا حتى ” أَلِوَها مِلَّاش**- ما قبل الأرض الخالية من المياه”، وغربًا حتى ” تَكَّزِي مِلَّاش***- ما قبل نهر ستيت”. ولكن لاحقًا ونتيجة لبعض التطورات، كما سنرى فيما بعد، ظهرت خلافات كبيرة داخل حزب “إرتريا للإرتريين”، وأخذ شعار توحيد الأرض المعروفة ب”ألوها ملاش” يضعف تدريجيًّا.

أما بالنسبة للحركة التي كانت تحمل شعار “تجراي–تجرينيي” نحتاج أن نتعمق فيها بعض الشيء لنفهم النفسية التي كانت تقف خلفها، حتى لا يتكرر التاريخ مرة أخرى.

وحسب التوضيح الذي قدمه البروفيسور ألم–سجّد أبّاي لشعار “تجراي–تجرينيي” فقد كان تعبيرًا عن نهضة أو عودة الروح الوطنية مجددًا. فالنهضة الوطنية كانت عبارة عن حركة ظهرت في القرن التاسع عشر فيما تعرف اليوم بإيطاليا. كانت الشعوب التي تتحدث الإيطالية تعيش في ولايات صغيرة ومجزأة حتى عام 1870. وبالتالي، فالنهضة الإيطالية كانت عبارة عن حركة خاضت نضالاً ثقافيًّا وسياسيًّا لتوحيد الشعوب التي كانت تتحدث الإيطالية، وكانت تعيش في ولايات صغيرة ومجزأة في وطن واحد اسمه إيطاليا.

وبالنسبة لإرتريا- ونعني هنا تحديدًا بالنسبة لحركة “تجراي–تجرينيي”، ماذا كانت تعني هذه التجربة؟ كان ذلك يعني أن الشعب الذي يتحدث التجرينية، ومنذ عهد حضارة أكسوم، كانت له وما يزال هوية ثقافية ودينية واحدة، وشعور موحد بالهوية، وكانت هناك علاقات مصاهرة في داخله، وبالتالي يمكنه أن يشكل وطنًا موحدًا. وكما يقول ألم-سجّد أبّاي، كان الحجر الأساس لمفهوم “تجراي–تجرينيي” التاريخ القديم أو العريق،

*مرب ملاش – معني بها الأرض الواقعة ضمن حدود أرض الداخل الإرتري

**ألوها ملاش – معني بها الأرض الواقعة خارج حدود الأرض الإرترية، وتتجاوز الأنهر الموسمية (القاش وسيتيت) التي تعتبر حدودًا طبيعية بين إرتريا وإثيوبيا، لتغطي كامل أرض إقليم تجراي في شمال إثيوبيا، وأجزاء أخرى في الداخل الإثيوبي               

***تكزي ملاش – معني بها أيضًا الأرض الواقعة ضمن حدود أرض الداخل الإرتري                      (المترجم)

 

 

وبالتالي كان المفهوم عبارة عن فلسفة تهدف إلى تأطير كل المتحدثين باللغة التجرينية تحت سقف كيان سياسي واحد، بمعنى أن يكونوا تحت مظلة وطن واحد.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ووصول وفد الدول الأربعة الكبرى، الذي كان يمثل الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، وفرنسا، وبريطانيا إلى بلادنا للاطلاع على رغبات شعبنا، قدم إليهم حزب “إرتريا للإرتريين” مذكرة جاء فيها أن إقليم تجراي “سواء أكان بموقعه الجغرافي، وثقافته، وتاريخه، وعلاقاته التجارية، وكما كان في السابق أيضًا فهو جزء من إرتريا”، الأمر الذي كان يتناغم، وكما ذكرنا سابقًا، مع الخطة التي وضعها البريطانيون لإلحاق إقليم تجراي بإرتريا. وبلغة أكثر وضوحًا، كان ذلك الموقف يعكس الاعتقاد السائد في فكرة ” تجراي–تجرينيي” على النحو التالي:

“كل الحروب التي جرت في شمال إثيوبيا، سواء أكانت ضد المصريين، أم الإيطاليين، وكذلك في المعارك التي جرت ضد الدراويش في المتمة، كانت تدار من قبل شعب وقادة المجتمع (الأمراء) في إرتريا وتجراي وليس بأبناء شوا. وهذا يشير إلى أنه لا يوجد قاسم مشترك بين الشعب الذي يتحدث التجرينية بشعب شوا من الناحية الجغرافية، أو الإثنية، أو التاريخية أو المنشأ. ولو تحدثنا عن الماضي، فالحضارة الإثيوبية القديمة كان منشؤها في إرتريا وتجراي (أكسوم)، وبالتالي لم تنتقل من شوا إلى الشمال. وكان أبناء شوا في تلك الحقبة قبائل رعوية متنقلة وغير متحضرة. بل يجب أن نذكر بكل تأكيد أن شوا كانت في تلك الحقبة خاضعة للشعب الناطق بالتجرينية”.

ويتضح لنا مما قيل إن منطلقات حزب إرتريا للإرتيريين، وكما قال البروفيسور تخستي نجاش “مبني على التركيز في التاريخ العريق والمجيد الذي كان ينعم به شعب تجراي، وعلى المكانة العالية والريادية التي كان هذا الشعب يتمتع بها قديمًا في إثيوبيا”. كما يتضح أيضًا أن هذا الموقف كان مشوبًا بنظرة استعلائية أو تفاخرية. بالإضافة إلى أنه كان يمثل نموذجًا واضحًا لسياسة التجرينيا الرافضة لحكومة شوا.

هناك نقطة ترتبط بهذا الموضوع لا بد من إثارتها، وهي أن بعض الآباء الذين رفعوا شعار “إرتريا للإرتيريين” انطلقوا من نظرة توسعية تسعى إلى ضم بعض الأراضي التي تخضع لسيطرة دول أخرى إليهم بدعوى أن ملكيتها تؤول إليهم، وهذه الأراضي هي الواقعة في شرق السودان والتي تضم مدينة كسلا الحالية.

كما أن هناك قضية هامة لم تحظ باهتمامنا الكافي منذ القدم والتي تتعلق بشعار “إرتريا للإرتيريين أو تجراي – تجرينيي”، وهذه القضية هي أن الوطن الذي أطلق عليه”تجراي –تجرينيي” من كان سيقوده؟ وللرد على هذا السؤال، وحتى لو لم نتمكن خلال السنوات الماضية من التنبه له، إلاّ أنه كان جليًّا وواضحًا على الأقل بالنسبة لمعظم الناشطين ضمن شعار “إرتريا للإرتيريين” بأن قيادة وطن “تجراي-تجرينيي” كانت ستؤول إلى القيادات الإقطاعية في إقليم تجراي. وكانت هناك نخبة من أبناء الهضبة الإرترية الذين كانوا يؤمنون بأحقية وقانونية القيادات الإقطاعية التجراوية، وبالتالي، كانت الفكرة بأن “الراس سيوم منجشا” حفيد الملك يوحنّا “يوهنس” بإمكانه أن يكون قائدًا لدولة “تجراي-تجرينيي”.

والمشاعر الوطنية المبنية على فكرة “تجراي-تجرينيي”، لم تكن لها حركة بارزة في منطقة ما وراء نهر مرب، أي في تجراي. وبمعنى آخر فإن فكرة “تجراي-تجرينيي” لم ترق لشعب تجراي، لكن هناك من يقول إن بعض القيادات الإقطاعية في تجراي كانت قد تبنت لبعض الوقت على الأقل فكرة شبيهة بفكرة “تجراي-تجرينيي”. وعلى سبيل المثال يبدو أن الراس سيوم منجشا، والدجازماتش هيلي-سلاسي جوجسا كانا لبعض الوقت يتبنيان فصل إقليم تجراي عن إثيوبيا. ويقال أيضًا إن كليهما قاما في بعض المراحل بتأييد فكرة أن يدار إقليم تجراي وإرتريا معًا لبعض الوقت من خلال بريطانيا أو أية قوة أجنبية أخرى.

وبالتالي، فإن حركة “تجراي-تجرينيي” كانت متواجدة أكثر في إرتريا، وهي كانت أيضًا محدودة في جزء معين من الهضبة الإرترية. وعمومًا فإن محاولات البريطانيين الرامية إلى هيمنة المشاعر التجراوية في أوساط مسحيي الهضبة لم يحالفها النجاح. وكما أوضح البروفيسور إيرليك هاغاي، فالأقلية التي حصلت على التعليم الحديث، أو التي سكنت المدن من الإرتيريين “كانوا متأثرين بالمفاهيم الحديثة”. وتجراي بالنسبة لهم لم تكن تمثل نموذجًا للحداثة، بل تمثل التخلف والمحافظة. وبالتالي، فإن غالبية طلائع الشباب الإرتري المسيّس ربطوا “المفاهيم السياسية الحديثة” التي تبنوها بالمشاعر الإثيوبية، وعليه كانوا “معجبين” بهيلي-سلاسي. 

وكما أوضحنا سابقًا، البريطانيون كانوا راغبين في تحقيق نوع من أنواع الوحدة بين تجراي وإرتريا تكون خاضعة لسيطرتهم. لكن وبعد فترة، ونسبة للتغيرات السياسية تخلَّوا عن فكرتهم وبادروا بتأييد فكرة الحل الفيدرالي التي قام الأمريكيون بطرحها، وكانت تضمن لإرتريا وحدة مع إثيوبيا تتمتع بضمانات. كما قام بعض القيادات والأعضاء البارزين في حزب إرتريا للإرتريين بتغيير مواقفهم وقبلوا بالحل الفيدرالي كحل وسط. جاء هذا التغيير نتيجة الانشقاق الذي كان قد حدث في الحزب قبلها نسبة للمؤامرة التي حاكها ممثل الحكومة البريطانية في إرتريا العقيد فرانك ستافرد والتي أدت إلى حدوث انشقاق داخل الحزب، ونشأت عنه جمعية أُطلِق عليها “الوحدة التحررية مع إثيوبيا”.

وجدت فكرة الفيدرالية قبولاً واسعًا لدى سائر الأحزاب السياسية. والسبب الذي أدى إلى قبولهم بها ليس لأنها كانت خيارهم الحقيقي كما أوضحوا ذلك لاحقًا، بل لأن الفيدرالية كانت السبيل الوحيد الذي يضمن استمرارية  إرتريا ككيان موحد. فمثلاً الراس تسما أسبروم الذي كان يرأس الكتلة الاستقلالية، والذي كان سابقًا من أكثر المدافعين عن فكرة “تجراي-تجرينيي”، قبل بالحل الفيدرالي الذي قدمته الأمم المتحدة واعتبره انتصارًا. ولتبرير صحة موقفه نسبة للظروف التي كانت سائدة ذكر ما يلي “نحن ناضلنا من أجل الاستقلال الكامل، وبما أننا لم نتمكن من تحقيقه، فهذا النصر الذي تحقق اليوم يجب أن يكون في مصلحة الجميع. وبفضل هذا الانتصار لم تنته وحدة بلادنا، كما أن شعبنا لم يتم تقسيمه”.

وبالنسبة لجيل الآباء الذين كانوا ينادون بالاستقلال وقبلوا بالحل الفيدرالي على مضض، يمكن الإشارة إلى أنهم كانوا يحسون بالحرج. فمثلاً السيد ولدآب ولدماريام يقال إنه وصف هذا الوضع الحرج قائلاً “الغريق يتعلق بالقشة” وبالتالي بالنسبة لجيل الآباء كانت وحدة إرتريا هدفًا “استراتيجيًّا” مرغوبًا لذاته. وكان الحل الفيدرالي حسب رأيهم تكتيكًا يحقق ذلك التطلع.

ولم تقبل حكومة الامبراطور هيلي-سلاسي أيضًا بالحل الفيدرالي باعتبار أنها راغبة فيه وتؤمن به، بل لأنه لم يكن لديها خيار آخر. ففي ذلك الوقت كان عدد الإرتريين الذين يناهضون الوحدة الكاملة مع إثيوبيا أكثر بكثير من الذين كانوا ينادون بالوحدة الاندماجية معها. كما أن المطالب الإثيوبية لم تحظ بتأييد كاف في أروقة الأمم المتحدة. لذا قبل الامبراطور هيلي–سلاسي بالحل الفيدرالي، وكما أشار الدكتور أماري تخلي في الدراسة الموسعة التي قام بها في عام 1964، نصحه مستشاروه بالقبول بالحل الفيدرالي لأنه يمكن هدمه بشكل تدريجي، وضم إرتريا إليه نهائيًّا.

لم تكن هناك فقرة قانونية تسن على محدودية الفترة الفيدرالية، لكنه تم إشاعة أن فترة الفيدرالية محددة بعشر سنوات، وكانت تلك عبارة عن تهيئة ذهنية تساعد على هدم النظام الفيدرالي. وبالتالي وبعد أن قامت حكومة هيلي-سلاسي بتهيئة الأرضية المناسبة لهذا الفهم، قامت بالتعاون مع بعض الإرتريين بتعويض  النظام الفيدرالي بصورة تدريجية في عام 1962، أي بعد مرور عشر سنوات على النظام الفيدرالي.

بالنسبة لحكومة الامبراطور هيلي–سلاسي كان النظام الفيدرالي وسيلة فقط، وكانت الاستراتيجية الهيمنة الكاملة بمرور الوقت على إرتريا.

وهناك أهمية خاصة لنذكِّر ونؤكد على أن الفيدرالية كانت عبارة عن مرحلة انتقالية، والسبب في ذلك هو أننا قلقون من أن التاريخ يعيد نفسه بصورة أو بأخرى الآن أيضًا!!

-3-

في عام 1961، وقبل الإعلان عن انتهاء النظام الفيدرالي رسميًّا، فجرت جبهة التحرير الإرترية بقيادة حامد إدريس عواتي الكفاح المسلح. وبحكم التركيبة الاجتماعية والدينية لبلادنا، والتناقضات التي يمكن إرجاعها إلى مؤثرات تاريخنا الحديث، واجهت الثورة الإرترية في بداياتها الكثير من المشكلات والعقبات.

ومنذ أن بدأ إسياس أفورقي في عام 1970 تحركاته لإنشاء تنظيم خاص به، استغل بصورة سيئة التناقضات الاجتماعية القائمة التي ظهرت في المجتمع الإرتري وفي تنظيم جبهة التحرير الإرترية. فإسياس وفي البيان الذي أصدره بعنوان “نحن وأهدافنا”، والذي حاول نثر بعض المفردات الوطنية في ثناياه لخداع الجماهير، توجه بصوت عال إلى المسيحيين من الشعب الإرتري للقبول به واتباعه، وبالتالي لم تكن وثيقة “نحن وأهدافنا” تهتم بأوضاع الشعب الإرتري وحقوقه، بل كانت صرخة مشؤومة أطلقها إسياس لتحقيق أحلامه الجشعة. وكما أوضح المناضل ردئي محاري في كتابه الذي اكتسب شهرة واسعة فإن إسياس أطلق على بيانه “نحن وأهدافنا” لتضليل الجماهير، إلاّ أن الحقيقة كانت تقتضي أن يطلق عليه “أنا وأهدافي”.

وعندما التحق إسياس أفورقي بالثورة الإرترية، لم يكن هدفه الحقيقي وتطلعاته حرية إرتريا وسيادتها، بل كان هدفه الذي ظل يتحرك بحذر شديد لتحقيقه في الخفاء فكرة “تجراي-تجرينيي”، كما أخبرنا بذلك مرارًا ردئي محاري وتسفاي تمنوو، وغيرهم من الذين ناضلوا في الجبهة الشعبية.

وحتى في فترة الكفاح المسلح كان إسياس وأعوانه، سواء قصدوا ذلك أم لا، كانت هناك فترات أفصحوا فيها عن توجهاتهم الداعية إلى “تجراي- تجرينيي”. فمثلاً الصحفي الفرنسي الذكي والمعروف رينيه ليفورت عندما ذهب إلى الميدان لزيارة مواقع الجبهة الشعبية أبدى الملاحظة التالية في كتابه الذي طبع في عام 1983، وقال إنه سمعها من أحد قيادات الجبهة الشعبية عندما كان يعطي توضيحًا مسهبًا عن التنظيم. أوضح ذلك العنصر القيادي في نهاية حديثه “أهداف الثورة الإرترية” على النحو التالي: “نحن ورثة مملكة أكسوم، ولن تكون لنا أية علاقة مع حكومة شوا”. هذا الصحفي الحصيف رينيه ليفورت عندما لاحظ أن مثل هذا الكلام لا يمكن أن يقال سدى، بل له مدلولاته الكبيرة، سجل تلك الملاحظة في كتابه.

تمكن إسياس من إحكام قبضته على تنظيم الجبهة الشعبية بعد سقوط الامبراطور هيلي–سلاسي واقتلاع نظامه الملكي من جذوره في منتصف السبعينيات إثر ثورة حدثت في البلاد. وفي خضم هذه العملية أحكمت الطغمة العسكرية “الدرغ” سيطرتها على مقاليد الحكم، وبعد فترة أعلن “الدرغ” تبنيه للنهج الاشتراكي وقام بتوطيد علاقاته مع الاتحاد السوفييتي. كانت تتميز تلك الحقبة بالحرب الباردة، وكان التنافس الفكري والاستراتيجي في أوجه بين المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي والمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد أزعج ارتباط الطغمة العسكرية في إثيوبيا بالمعسكر الشرقي الولايات المتحدة الأمريكية وسائر الدول الغربية، وبالتالي بدأوا بدراسة السبل الكفيلة لإسقاط نظام”الدرغ”، ووضعوا مخططًا يلامس الثورة الإرترية بصورة مباشرة. وكان المخطط الذي توصلوا إليه يتلخص في استخدام الثورة الإرترية لإسقاط “الدرغ” وفقًا للخطة التالية.

من بين الحركات التي كانت تناهض “الدرغ” بالسلاح كانت الثورة الإرترية ممثلة في جبهة التحرير الإرترية والجبهة الشعبية لتحرير إرتريا. وكانت المشكلة -حسب رأي مهندسي الاستراتيجية السياسية للولايات المتحدة الأمريكية- أن هدف الفصائل الإرترية هو الاستقلال الكامل، أي الانفصال عن إثيوبيا. أما استقلال إرتريا لا ينسجم مع أهداف واستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية، لأن انفصال إرتريا سوف يكون مشكلة بالنسبة لأمن إسرائيل. وبالتالي قرر الأمريكيون استخدام الثورة الإرترية، لكنهم قرروا في الوقت نفسه ضمان أن يتم استقلال إرتريا بصورة لا يشكل بها خطرًا على أمن إسرائيل.

ولحل مشكلة إرتريا على هذا النحو قدم الخبراء الأمريكيون آراء مختلفة. والتي تهمنا من بين تلك الآراء هما الفكرتان التاليتان:

الفكرة الأولى هي أن استقلال إرتريا سوف لن يشكل تهديدًا لإسرائيل، والسبب في ذلك أنه وبالإشارة إلى نشوء ثورة تحرير شعب تجراي (الوياني)، وبحكم وجود حركة انفصالية في تجراي أيضًا، وبعد انفصال تجراي سوف تنضم بشكل من الأشكال إلى إرتريا، وسوف تكون غالبية سكان البلد الجديد من المسيحيين. وبالتالي الوطن الذي يضم تجراي وإرتريا، والذي سيشكل المسيحيون غالبية سكانه لن يشكل تهديدًا لإسرائيل. هذا الرأي قدمه الخبير القانوني في مجلس الشيوخ الأمريكي توم فيرر في شهر أغسطس عام 1975.

 أما الرأي الآخر فقد قدمه الخبير جون سبينسر، وكان محتواه على النحو التالي: التنظيمات الإرترية هي الوحيدة القادرة على إسقاط نظام الطغمة العسكرية الحاكم في إثيوبيا (الدرغ)، وطرد الاتحاد السوفييتي من القرن الأفريقي. لكن هذه التنظيمات تدعو إلى الانفصال عن إثيوبيا، أي الاستقلال.  واستقلال إرتريا ليس رغبة أمريكية، وبالتالي ما العمل؟ قدم سبسينسر بعدها هذه المحاولة. لندع استمرار شعار استقلال إرتريا حتى سقوط “الدرغ” وخروج الاتحاد السوفييتي من القرن الأفريقي. وبعد سقوط (الدرغ) وتسلم السلطة في إثيوبيا من قبل نظام يتوافق مع أمريكا يمكن لإرتريا أن تستقل.

لكن الهدف من استقلال إرتريا هو ألاّ يكون حالة دائمة أو ثابتة، بل يكون لفترة قصيرة فقط، وبتعبير جون سبينسر يكون الاستقلال “تجربة سريعة الزوال – Fleeting Experience” بمعنى أن يصبح فقط تجربة غير مستقرة وتزول بسرعة. وهذا معناه أن تصبح إرتريا وطنًا مستقلًّا لوقت قصير. وبعدها ماذا ستكون؟ حسب خطة جون سبينسر فإن إرتريا وبهذا الشكل ستزول تدريجيًّا بعد تقسيمها. فبالنسبة للمرتفعات ودنكاليا، وبداية من مصوع وحتى باب المندب جنوبًا، يتم ضم هذا الشريط الساحلي على البحر الأحمر إلى إثيوبيا، شريطة أن يكون له حكمًا ذاتيًّا (وعندما يقال مع إثيوبيا فالمعنى هو أن ينضم هذا الجزء إلى تجراي بحكم أن تجراي وإرتريا هما على علاقة جوار مباشر فيما بينهما). أما الجزء الآخر من إرتريا، وهو إقليم الساحل والمنخفضات الغربية معه والذي يشكل المسلمون غالبية سكانه، يتم ضمه إلى السودان. وهكذا تصبح إرتريا ممزقة. هكذا كانت خطة سبينسر.

هذه الأشياء التي ذكرتها مرارًا والمتعلقة بالأفكار التي قدمها كل من فيرر وسبينسر، يبدو أن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية أخذت هذه الآراء في حسبانها وجعلتها مرتكزات لسياساتها.

وانطلاقًا من الاستراتيجية البعيدة المدى والرامية إلى إزالة إرتريا من الوجود، تم الهجوم على جبهة التحرير الإرترية من قبل الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا تساندها “الوياني”. وطبقًا للصورة البادية للعيان اليوم، أولئك الذين كانوا داخل جبهة التحرير الإرترية من العناصر الذين قامت الجبهة الشعبية بتجنيدهم لصالحها، بالإضافة إلى العناصر الذين تم تجنيدهم من قبل قوى خارجية، فقد تآكلت جبهة التحرير الإرترية من داخلها وتبعثرت، وخرج جزء كبير من مقاتليها من الميدان. وهكذا أصبحت السياسات التي ينتهجها إسياس هي الطاغية في الثورة الإرترية. ومنذ عام 1980-1981، حتى لو كان يطلق على الحركة المسلحة في إرتريا “الثورة الإرترية”، فإنها كانت تخدم أهدافًا أخرى، بمعنى أهداف إسياس والمتعاونين معه في الغرب وغيرهم. وبعبارة أخرى فالثورة الإرترية ومنذ ذلك التاريخ لم تعد حقيقة بل أصبحت وهمًا. واقتباسًا من كتاب ردئي محاري سوف أنقل لكم مقتطفًا يبين هذه الحقيقة “بالضبط وكما يتم خداع البقرة التي مات وليدها بجلده لتدر اللبن لعدة أشهر، تم تضليل الشباب لعدة أعوام للنضال باسم الثورة الإرترية، رغم أن الثورة كان قد تم حرفها عن مسارها. وكان الثمن إراقة دمائهم”.

كانت سياسة إسياس، وكما أوضحنا سابقًا، ترمي إلى تحقيق هدف تجراي–تجرينيي. لذا، وبمنطق الجدل فإن هدف الكفاح المسلح الطويل الأمد أصبح إقامة دولة تجراي- تجرينيي، ولم يعد هدفه الحقيقي بناء دولة إرترية ذات سيادة وموحدة. واستقلال إرتريا كان مجرد شعار أو وسيلة، وهذا ما يبدو عليه الوضع حتى هذه اللحظة.

وهناك شخص آخر أبدى حزنه الشديد على الأوضاع الحالية، حيث استشهد والده في الميدان، كما أنه أمضى شبابه في الميدان- وأعتقد أنه يدعى “بايلوت – Pilot“، سمعته وهو يتحدث في البالتوك على النحو التالي: ” نضالي كان سدى، كما استشهد والدي سدى”. وهذا القول فيه صراحة ودقة. بمعنى، لو نظرنا إلى الموضوع بمنظار المرحلة الراهنة – وبالوضع في الحسبان أوضاع ما تسمى بإرتريا المستقلة اليوم، فإنه يقول لنا “إن نضالي لم يكن لمصلحة إرتريا، وأن والدي لم يضح بحياته لمصلحة إرتريا”.

وكما قال هذا المناضل، فإن هذا الوضع الذي يطلق عليه إسياس وجماعته الاستقلال، لم يستفد منه الشعب الإرتري. كان الدافع بالنسبة لكل المناضلين، وليس فقط أولئك الذين استشهدوا أو أصيبوا بإعاقات، التضحية من أجل الشعب والوطن، لذا أحب أن أؤكد على أن هذا الأمر هو محط تقديري واحترامي.

حتى لو قلنا إن الشعب الإرتري لم يجن ثمرة نضالاته، لا يعني ذلك أن هناك أطرافًا لم تستفد من هذا النضال. ففي معظم الأحيان تقريبًا هناك قضية وهي أن كل النضالات والأعمال، أو الجهود النضالية لا يمكن أن تهدر. هناك من يستفيد من هذه الأوضاع.  والسؤال هو من المستفيد؟ هناك أطراف استفادت من نضال الشعب الإرتري ومن تضحيات أبنائه. فالقوى الغربية التي كانت تسعى إلى إسقاط “الدرغ” وإعاقة الاشتراكية حققت أهدافها. والوياني تمكنوا من الإمساك بزمام السلطة في إثيوبيا. وإسياس أفورقي وجماعته يحكمون في إرتريا، وتمكنوا من تمرير مشروعهم. وهناك أطراف أخرى بمن فيهم أفراد إرتريون يمكن أن يقال أيضًا إنهم استفادوا.

-4-

تمر إرتريا اليوم بمرحلة ضياع بحيث يمكن القول إنها تسير في طريق الهلاك. أما تفاصيل معاناة وطننا كنا قد تطرقنا إليها من قبل. وأحد الأمور التي تدعونا إلى القلق والتفكير الكثير هو أن مثل هذه الأوضاع كان يفترض ألاّ تحدث في إرتريا.

فالأوضاع الراهنة في إرتريا تذكرني بمقولة قالها المراقب الروسي (السوفييتي) فلاديمير بازنر في نهاية الثمانينيات تقريبًا، عندما سأله الصحفي الأمريكي فيل دونهيو: “ما الأمر الذي يحزنك كثيرًا في وطنك”، قال بازنر في إجابته: “لدي تقدير عما كان يمكن أن تصل إليه بلادي، وأعرف أين هي الآن بصورة ملموسة، ويحزنني الفرق الشاسع بين ما كان يمكن أن تصله، وبين ما هي عليه الآن”. هذا الحديث يصف الوضع في إرتريا كما هو.

نحن مدركون لما كان يمكن لإرتريا أن تحققه، خاصة نحن الذين قضينا طفولتنا في إرتريا، ونوجد حاليًّا في خريف العمر. كان الإرتريون يتميزون بحبهم للعمل، وهذه هي الحقيقة. وبسبب أوضاعنا وقلة موارد بلادنا الطبيعية، كان علينا العمل وبذل الجهد لتحسين أوضاعنا المعيشية. ففي دول الجوار مثلًا، سواء أكان في إثيوبيا أو السودان، كنا نحظى بالتقدير والاحترام بسبب حبنا للعمل، والإنتاجية، والأهلية، والمهارة، والأمانة، وهذا ما جعل الإرتريين مرغوبين في العمل.

وكبلد مستقل، بعد أن يتم توظيف هذه القدرات أو الإمكانيات الكامنة فينا، كان يمكن أن نزدهر، ونتطور، ونعكس صورة مشرقة كمجتمع. والواقع الماثل في إرتريا اليوم هو عكس ما كان يجب أن يكون عليه الحال.

أصبحت إرتريا وبكافة المعايير منبوذة. فشعبنا اليوم فاقد لأبسط الحقوق السياسية، ولا تحترم حقوقه الإنسانية على الإطلاق، وقد تكالبت عليه عوامل الفقر، كما حرم من الجوانب الإنسانية في حياته الاجتماعية، وتهيمن على أوضاعه عوامل الخوف والرعب دون أن تكون هناك أية بوادر تنقذه أو تحميه منها. أما أوضاع شبابنا على وجه الخصوص فهي محزنة وتراجيدية للغاية. ففي المرحلة التي يفترض أن يكونوا فيها سعداء، يتعرضون للاستعباد تارة باسم “ساوا”، وتارة أخرى باسم الخدمة الوطنية. وفي محاولاتهم للهروب من هذا الجحيم، أصبح البعض منهم طعمًا للأسماك التي لا ترحم، والبعض الآخر منهم وبعد وقوعهم ضحايا في أيدي عصابات الإجرام يتم سلخهم كالمواشي لنهب كلاهم وأعضائهم الداخلية الأخرى، ويتم التخلص من جثثهم برميها في براري الصحراء الأفريقية وفي سيناء وغيرها من الأماكن. هذه المعاناة مؤسفة للغاية وتسبب الرعب لمجرد سماعها.

ففي الوقت الذي يتعرض فيه أبناء إرتريا لمثل هذه المعاناة، قد نجد من يتساءل ببراءة ماذا تفعل الحكومة الإرترية؟ هذا النظام الديكتاتوري الذي يجلس على رأسه إسياس إفورقي ليس في الحقيقة حكومة إرترية، بل هم عبارة عن مجموعة متآمرة تضمر الكراهية والحقد للإرتريين. وهؤلاء، وبصرف النظر عن أن أصولهم من تجراي، كان يمكنهم أن يصبحوا إرتريين، إلاّ  أنهم ولسبب مجهول اختاروا أن يصبحوا حملة شعار تجراي- تجرينيي بصورة تلحق الضرر بشعبنا.

ربطًا بهذا الموضوع، هناك قضية مؤسفة لا بد من إثارتها. هؤلاء الذين قدموا خدماتهم لإسياس أفورقي لسنوات طويلة في الميدان، وبعدها أيضًا في الحكومة الإرترية، أمثال هيلي ولدتنسائي (درع)، ومحمود شريفو، وإسطيفانوس سيوم، وبيطروس سلمون، وجرمانو ناتي، وأستير فسهاظيون، وبرهاني جرزجيهير وغيرهم، تم زجهم في جحيم سجن “عيرا-عيرو” حيث مات البعض منهم، بينما ينتظر البعض الآخر موته في عذاب. هؤلاء المناضلون لم يرتكبوا جرمًا، وقد تعرضوا لهذه المعاناة لمجرد أنهم دعوا إلى البدء بالعملية الديمقراطية والدعوة إلى الإصلاح. وهناك نقطة هامة لها علاقة بهؤلاء السجناء وغيرهم، وهي أن هؤلاء الذين يسجنون ويتم تصفيتهم بمختلف الأساليب يحدث لهم ذلك لكونهم إرتريين بارزين. وكما علمت من الكثيرين، ليس هناك من بين الأسرى أو من الذين تم تصفيتهم من قبل حكومة إسياس أحد من ذوي الأصول التجراوية، وهذه تعتبر ملاحظة في غاية الأهمية.

وبعد أن حلت هذه الأوضاع التي يطلق عليها الاستقلال، لم تخط إرتريا للأمام فقط، بل تقهقرت عما كانت عليه من أوضاع وسبقتها كل دول الجوار. فحتى إقليم تجراي الذي كان يعتبر متخلفًا بمقاييس العصر، تقدم على إرتريا اليوم بصورة واضحة. فالتطورات التي شهدها إقليم تجراي تبعث حقًّا على السرور، وأبناء الإقليم حققوا نجاحًا باهرًا، لكن السؤال هو لماذا تخلفت إرتريا؟ خاصة وأنها تحكم من قبل أبناء تجراي!! ففي الوقت الذي يحقق فيه إقليم تجراي نجاحات، نرى إرتريا وهي تعاني وتتقهقر، الأمر الذي يدعو إلى الدهشة.

كيف سقطت بلادنا إذًا في زمن الاستقلال في مثل هذا المأزق؟ سؤال يقلق عددًا كبيرًا من الإرتريين.  لكن الإجابة على هذا السؤال واضحة.

سبب وجود مثل هذه الأوضاع هو أن إرتريا لم تستقل عمليًّا وتصبح دولة ذات سيادة، بل كان الاستقلال صوريًّا. فعندما نقول إن بلدًا ما أصبح مستقلًّا يعني ذلك أن استقلاله وسيادته يجب أن يكونا مستمرين. أما إرتريا، وكما ذكرت سابقًا، تبقى وبعد سقوط “الدرغ” لبعض الوقت مستقلة ومنفصلة، وبعدها، وحسب البرنامج الموضوع، تدب فيها الانقسامات وبالتالي فإن الاستقلال والسيادة اللذين جاءا للبقاء لبعض الوقت، ثم لتتبعثر بعدها إرتريا إلى أشلاء لا يعد استقلالاً. عليه وفقًا لهذا البرنامج إرتريا الحالية ليست دولة مستقلة ذات سيادة، بل هي في مرحلة انتقالية. ومثل الفترة “الفيدرالية” التي كانت مرحلة انتقالية لضم إرتريا قسرًا، فإن “الاستقلال” الراهن أيضًا يعتبر مرحلة انتقالية تمهد لتقسيم بلادنا وإنشاء دولة تجراي- تجرينيي.

ما نراه من أوضاع راهنة يجعل إرتريا وطنًا فاقدًا لمعناه، ويضعف الهوية الوطنية الإرترية، ويفرِّغ البلاد من شبابها، ويجعلها غير قادرة على مواجهة تحديات المستقبل، ويجبر الإرتريين وخاصة الشباب أن ينظروا إلى إقليم تجراي الذي يشهد حاليًّا نموًّا بعين الدهشة والإعجاب. وباختصار، يمهد هذا البرنامج الإرتريين، وخاصة الناطقين منهم باللغة التجرينية، من الناحيتين النفسية والعقلية، لقبول مشروع تجراي – تجرينيي.

والمنطق الذي يقوم عليه مشروع تجراي- تجرينيي هو جعل إرتريا وطنًا لا يفخر به أبناؤه بل يكرهونه. وعندما تتردى الأوضاع في إرتريا إلى هذه الدرجة من السوء، يصل شعبنا إلى درجة القول “انظروا إلى تجراي، ها هي قد حققت درجة عالية من النمو، وبالتالي من الأفضل لنا الانضمام إليها”، وذلك وفق محاولات مثيري مشروع تجراي – تجرينيي وتوقعاتهم.

وفي الجنوب- في الجانب الإثيوبي- هناك أيضًا تحضيرات جرت وما زالت تجري أشبه بمشروع تجراي – تجرينيي. وأهم ما في هذه التحضيرات هو ذلك المفهوم الإشكالي الداعي إلى حق تقرير المصير حتى الانفصال. فحكومة الجبهة الثورية للشعوب الإثيوبية التي تهيمن عليها الثورة الشعبية لتحرير تجراي قامت بتثبيت حق تقرير المصير حتى الانفصال في الدستور الإثيوبي. وبموجب المادة 39 من الدستور الإثيوبي تجراي لها الحق في الانفصال. هذا الحق –حسب المراقبين- يشكل بالنسبة لتجراي، وخاصة لوياني تجراي، أو على الأقل لجناح منها، الخيار النهائي الذي تحتفظ به في الخفاء.

والثورة الشعبية لتحرير تجراي “الوياني” ما زالت تسعى لإبقاء إشكالية حق القوميات حتى الانفصال لفترة طويلة ممكنة. والتنظيمات الإرترية التي تؤمن بوجود علاقة متميزة بينها وبين الوياني، وهي تنظيمات كثيرة العدد لكنها قليلة الحجم، وتأتمر بأوامر الوياني، جعلت من مفهوم حق القوميات حتى الانفصال علامة فارقة في مواقفها.

وهذه اللغة الداعية إلى حق القوميات حتى الانفصال تخدم بصورة مباشرة مشروع تجراي- تجرينيي. فعندما تعلن بعض المجموعات القومية أو جزء منها عن رغبتها في الانفصال يكون في مقدور الناطقين بالتجرينية في الهضبة الإرترية أيضًا الالتحاق بتجراي وتحقيق حلم تجراي- تجرينيي. 

أنا أؤمن بالمساواة بين المكونات القومية الإرترية، كما أؤمن بحقها في تقرير مصيرها، ولكن عندما أقول ذلك أعني وجود إمكانية تحقيق هذه المساواة في ظل إرتريا واحدة وموحدة. والعمل من أجل زرع الشقاق في إرتريا باسم حق تقرير المصير ليس إلا مجرد خيانة وطنية.

وكما تمت الإشارة إليه سابقًا، فالتحدي القائم اليوم يتعلق بوجود إرتريا أو عدم وجودها. ومن أجل استمرار إرتريا كوطن لا بد لكل إرتري من أن يساهم بما في استطاعته في النضال من أجل تحريرها، والشكل المناسب لتنظيم هذا النضال هو العمل في إطار جبهة من أجل الوطن الأم.

-5-

فمفهوم الوطن الأم يعني في الفهم الشائع أو حرفيًّا البلد أو المحيط الذي كان يعيش فيه الآباء وقبلهم الأجداد، ولكن في العلوم السياسية أصبح لمحتوى الوطن الأم معنى أعمق. ولا يشير المعنى إلى مكان أو وطن معين، بل يشير ذلك إلى شعب يتميز بمضمون “سياسي وثقافي واجتماعي” يميزه عن غيره. أما بالنسبة للمفهوم في شكله المتطور أو الأكثر تطورًا يعني وجود مجتمع يعيش في حيز جغرافي محدد ويتحدث بلغة واحدة، ويتميز بثقافة وقيم أساسية موحدة.

وكما يقول المفكر جوزيبي مازيني، وهو أحد المنظرين الذين ناضلوا من أجل قيام إيطاليا، لتوضيح هذه الفكرة ما يلي:

“لا يعني الوطن الأم حيزًا مكانيًّا فقط، فالحيز المكاني يعتبر مجرد أساس، ومفهوم الوطن الأم هو عبارة عن فكرة مبنية على ذلك الأساس، وهي فكرة حب تجمع بين أبناء ذلك الحيز المكاني، وتوحدهم معنويًّا”.

وفي التاريخ، وعند الحديث عن مفهوم الوطن الأم، كان وما يزال يشير إلى دلالات مختلفة ومتطورة باستمرار. فمثلاً في أوروبّا، وقبل عدة قرون، وفي العهد الإقطاعي، كان يحظى مفهوم الوطن الأم بدلالة قاصرة، وكان يعني الإقليم أو المحافظة، أو الوحدة الإدارية، أو المنطقة أو غيرها  من الأمكنة، إلاّ أنه وبمرور الوقت وعند دخول أوروبّا في النظام الاقتصادي الرأسمالي وتم التواصل بين أجزاء الوطن المختلفة نتيجة الاتصالات الاجتماعية- الاقتصادية، أصبح مفهوم الوطن الأم يشير إلى الرقعة الكاملة للبلاد من النواحي السياسية والثقافية والاجتماعية.

وتختلف دول العالم الثالث في تكويناتها ودرجة تطورها عن أوروبّا والدول الأخرى المتقدمة. ومعظم هذه التكوينات الاجتماعية لم تتطور تاريخيًّا إلى كيانات نتيجة عمليات تطور داخلي، بل نشأت نتيجة خضوعها لهيمنة قوى أجنبية. وبصرف النظر عن طرق تكونها ودرجات تطورها فقد أصبحت هذه الدول أوطانًا لشعوبها. وبحكم النضال والمقاومة الوطنية التي شهدتها تلك الدول ضد الاستعمار الأجنبي والتي تم الاعتراف بها باعتبارها عادلة ومشروعة للدفاع عن الوطن الأم، فقد حظيت بدعم قوى التقدم والسلام.

هناك نقطة ذات صلة بهذا الموضوع ينبغي توضيحها. حتى الحكومات الغازية والظالمة ترفع شعار الدفاع عن الوطن الأم لتبرير استغلالها وأهدافها المناهضة للسلام. لكن هذه الحروب ليست جبهات دفاع حقيقية عن الوطن الأم. فمثل هذه الشعارات الكاذبة ليست نابعة عن حب حقيقي للأوطان، بل تخدم مصالح فئات قليلة جشعة ومستغِلة. ويصبح شعار الدفاع عن الوطن الأم عادلاً ومقبولاً عندما يكون هدفه الدفاع عن الذات، وممارسة الحقوق بصورة لا تضر بمصالح الآخرين.

السؤال: هل تعتبر إرتريا الوطن الأم لمواطنيها؟ أو بصيغة أخرى ما هو الوطن الأم بالنسبة للإرتريين؟ تمت مناقشة هذه القضية في الأربعينيات من القرن الماضي بكثافة والسبب الرئيسي لذلك كانت سياسة تجراي- تجرينيي التي كان يطرحها حزب إرتريا للإرتريين. وكما أوضحنا سابقًا، فإن أعضاء ذلك الحزب، وعندما أطلقوا شعار إرتريا للإرتريين، وخاصة في المراحل الأولى من تاريخ الحزب، كانوا يعنون بذلك تجراي – تجرينيي (المنطقة المعروفة بحدود ما وراء النهر). وبالتالي، كانوا يقصدون عمليًّا أن وطنهم الأم هو تجراي- تجرينيي.

واليوم، وعندما يرفع الإرتري المتحدث باللغة التجرينية شعار الوطن الأم ماذا أو أي وطن يعني؟ والتجراويون (أبناء تجراي) ماذا يقصدون بالوطن الأم؟

لا يوجد مفهوم موحد بالنسبة للوطن الأم في أوساط الناطقين باللغة التجرينية من الإرتريين. فمثلاً هناك فروق واضحة بين عامة الشعب من أبناء الهضبة الإرترية وبين الناشطين السياسيين. فمشاعر وأفكار العامة من أبناء الهضبة الإرترية بخصوص الهوية يرتكز على التاريخ، والثقافة والعلاقات القديمة. وربطًا بهذا الموضوع هناك نقطة لا بد من توضيحها وهي أن شعب الهضبة الإرترية وأبناء تجراي كانت علاقاتهم وتواصلهم مستمرًّا كما كان في السابق حتى في الفترة التي خضعت فيها إرتريا للاستعمار الإيطالي.

وكان الباحث ألم- سجّد تسفاي قد أجرى استطلاعًا لآراء العامة من أبناء الهضبة الإرترية عن فهمهم لوطنهم الأم. وكانت نسبة 21% فقط هم الذين أكدوا على أن إرتريا هي وطنهم الأم. وكانت الغالبية (53%) منهم يشيرون إلى وطنهم الأم على أنه قريتهم، أو المنطقة التي ولد فيها آباؤهم وأجدادهم. ونسبة قليلة جدًّا منهم أكدوا على أن وطنهم الأم هي تجراي – تجرينيي أو تجراي.

وماذا عن العامة من أبناء تجراي؟ ودون أن نقول الأغلبية، إلاّ أن نسبة كبيرة منهم (39%) أشاروا إلى قراهم أو المنطقة المحددة التي ولدوا فيها. إلاّ أن نسبة 25% منهم تقريبًا أشاروا إلى تجراي باعتبارها وطنهم الأم.

تم الفصل بين الإرتريين والتجراويين لمدة 62 عامًا بسبب وجود المستعمر الإيطالي. ونسبة لهذا الفصل، هناك اختلافات فيما بينهم في الإجابة على السؤال المتعلق بالعدو التاريخي لكل منهما. فالإرتريون خضعوا لمدة 62 عامًا لاستعباد الاستعمار الإيطالي، أما التجراويين، وبعد انتزاع سلطة الملك يوحنّا (يوهنس) من قبل الأمحرا وإقليم شوا، أصبحوا خاضعين لسلطة الأمحرا. وكانت كراهية الإرتريين متجهة إلى الإيطاليين وغيرهم من الأجانب الذين كانوا يأتون من وراء البحار. أما التجراويون كانت كراهيتهم موجهة إلى الأمحرا، وخاصة أبناء إقليم شوا، الذين أصبحوا يبغضونهم.

فقد تباينت إجابات الإرتريين والتجراويين عن ماهية العدو التاريخي لكل منهما، بسبب العوامل التاريخية على ما يبدو. فالعوام من الإرتريين في غالبيتهم (86%) يعتبرون أعداءهم التاريخيين بالترتيب الأتراك، وبعدهم المصريين، والإيطاليين، والبريطانيين. وفي النهاية يذكرون نظامي هيلي-سلاسي والدرغ. أمَّا بالنسبة للتجراويين فعند السؤال عن أعدائهم التاريخيين، فالغالبية منهم (82%)  أجابوا “الأمحرا”، وخاصة سكان إقليم شوا من الأمحرا. قليلون منهم، (أي نسبة 10,7% فقط) أضافوا الأتراك والإيطاليين في قائمة أعدائهم التاريخيين.

أما النخب الإرترية والتجراوية (أي الناشطين السياسيين منهم) كانت إجاباتهم عما يقصدونه بوطنهم الأم متباينة. وهذا التباين هام للغاية. كيف كانت إذًا إجاباتهم على هذا السؤال؟ لنبدأ بالإرتريين، فالنخب الإرترية كانت إجابتها عن المقصود بالوطن الأم متباينة قليلاً. فنسبة قليلة منهم  (أي 26%) أجابوا أن وطنهم الأم هو المكان الذي ولدوا فيه هم أو آباؤهم. والغالبية منهم (أي نسبة 71,4%) أجابوا بأن إرتريا هي وطنهم الأم. فمثلاً السفير أدحنوم جبرماريام ذكر الآتي:

“كل من شارك في النضال (التحرري) فهو أخي. فمحمد عثمان (وهو أحد المناضلين) هو أخي. وبالنسبة لكلينا، عندما نسمع كلمة الوطن الأم، ما يخطر على بالنا هي إرتريا”.

ولا يوجد أي من الناشطين السياسيين من ذكر تجراي–تجرينيي” كوطن أم له.

وعندما يقول الإرتريون إن إرتريا هي وطنهم الأم، فهم مدركون لحقيقة أن إرتريا لم تكن وطنهم الأم لمدة طويلة، ومتفقون على أن المشاعر الوطنية الإرترية ظهرت مع بداية الاستعمار الايطالي للبلاد، أي في نهاية القرن التاسع عشر، وهذا معناه، كما سأوضح لاحقًا، أن المشاعر الوطنية الإرترية ما زالت في طور النمو.

أما النخب التجراوية (وخاصة الناشطين السياسيين منهم) وفي إجاباتهم عن ماهية الوطن الأم بالنسبة لهم في الوقت الراهن، كانوا مختلفين روحًا وفكرًا وبصورة كبيرة عن تلك الإجابات التي ذكرتها غالبية السياسيين الإرتريين. من بين هؤلاء التجراويين أشارت نسبة 7.3% فقط إلى إثيوبيا باعتبارها وطنهم الأم. فمعظم الذين أجابوا على هذا السؤال من السياسيين التجراويين ذكروا أن وطنهم الأم هي تجراي، ولم يقولوا إثيوبيا. فالسيد سبهات نجّا وفي إجابته على هذا السؤال “بعد شيء من التروي والتردد” أوضح بأنه عندما يسمع كلمة الوطن الأم، فإن أول ما يخطر على باله هي “تجراي”. وكذلك الأمر بالنسبة للسيد ظجّاي برهي، الذي كان قبل فترة قريبة مضت رئيسًا لإقليم تجراي، وهو الآن عضو اللجنة التنفيذية لتنظيم “الوياني”، أجاب دون تردد بأن وطنه الأم هو “تجراي”، ولم يقل إثيوبيا. إلاّ أنه غطى إجابته بغطاء إثيوبي خفيف قائلاً “من خلال انتمائي إلى تجراي أكون إثيوبيًّا”.

هذه التصريحات القائلة بأن وطننا الأم هو تجراي (وليست إثيوبيا) مدعاة للتفكير، خاصة وأنها صدرت عن قيادات بارزة في “الوياني”. (فمثلاً بالنسبة لنا نحن الإرتريين لو أقدم عنصر قيادي في التنظيمات السياسية الإرترية بالقول إن وطنه الأم هي أرض بركا، أو البلين، أو الكوناما، أو إحدى محافظات المرتفعات الإرترية، أعني حماسين أو أكلي غوزاي، أعتقد أن ذلك يسبب حرجًا كبيرًا في الأوساط الإرترية!!!). ففي التاريخ الإثيوبي عندما كان الملوك يقولون “الوطن الأم”  كانت الفكرة تهدف إلى تعزيز الهوية الإثيوبية وكانوا ينادون بشعار “إنّات أجر –  الوطن الأم”. فمثلاً الملك يوحنّا “يوهنّس” رغم أنه من مواليد “تمبين” في إقليم تجراي، إلاّ أنه كان يقصد إثيوبيا عندما كان يقول “الوطن الأم”. وهناك مقولة ذات دلالة عميقة قالها هذا الملك توضح الأمر، وأشار إليها الكثير من المؤرخين. ففي عام 1887، وعندما كان متجهًا إلى “سحاطي” لمواجهة الإيطاليين، قال للضباط والجنود “إنني مستعد تمامًا للتضحية من أجل أمي، من أجل إثيوبيا”، كما أعلن حينها الإعلان التالي:

“يا أبناء إثيوبيا، تمعنوا جيدًا، فإثيوبيا هي أمكم أولاً، وتاجكم ثانيًا، وهي مثل زوجاتكم ثالثًا، وأبناؤكم رابعًا، ومدافنكم خامسًا، لذا عليكم النهوض لها انطلاقًا من محبة الأم، وعزة التاج، ومودة الزوجة، وسعادة الأبناء، ودفء المثوى”.

ويتضح أن مفهوم الوطن الأم كان يعني إثيوبيا بالنسبة للملك يوحنّا. وبالتالي، عندما تقول عناصر قيادية بارزة من إقليم تجراي اليوم إن وطنهم الأم هو تجراي، يثير ذلك تساؤلًا مفاده ماذا يعني ذلك أو ما هي أهميته بالنسبة لمستقبل إثيوبيا كوطن؟ وماذا يعني ذلك بالنسبة لإرتريا أيضًا؟ واضعين جانبًا مثل هذه الأسئلة، علينا أن نولي اهتمامنا لمدى قوة ونوعية المشاعر الوطنية الإرترية.

-6-

لو نظرنا إلى الهوية الوطنية الإرترية من الناحية التاريخية، نجد أنها ليست موغلة في القدم، بل هي حديثة نسبيًّا. وقد بدأت مشاعر الانتماء للهوية الوطنية الإرترية بالنمو لدى قطاع واسع من الشعب الإرتري بالترابط مع مسيرة الكفاح المسلح والتضحيات والآلام والتواصل الذي تم حينها بين المكونات الاجتماعية الإرترية. فمثلًا أحد الآباء الإرتريين عندما وجه إليه سؤال عن وطنه الأم قال “إرتريا، إرتريا هي وطني الأم، ناضل اثنان من أبنائي من أجل إرتريا، بل استشهدوا من أجلها”.

لذا، فإن إرتريا تعتبر الوطن الأم من حيث المبدإ فقط، ما يعني أن هذا المفهوم بحاجة لأن يزدهر وينضح ويتعزز. بمعنى آخر إن إرتريا كوطن أم ما تزال في طور التكوين، وأنها عبارة عن مشروع بحاجة إلى الاكتمال.

فمفهوم الوطن الأم تجتمع فيه روح وطبيعة تضافر عدد من العوامل التي تجسدها الأمثال، والرموز، والأساطير، والمقولات. وبحكم أن إرتريا ما تزال في بداياتها التكوينية كوطن أم، فإنها لا تمتلك العوامل التي تم ذكرها بصورة كافية. لذا، فإن وجود إرتريا كوطن أم بحاجة إلى المزيد من الرعاية والعناية والاهتمام، وفي كافة المجالات، أي في النشاطات الثقافية، والتنمية الاقتصادية، وفي العمل الإعلامي، ومن خلال تمتين علاقات الإخاء بين المكونات الاجتماعية للبلاد، ووضع مناهج تعليمية تتميز بالجودة والمصداقية، وتنفيذ سياسات تعزز وتقوي مفهوم إرتريا كوطن أم بالارتكاز على دراسات دقيقة. يجب تربية الناشئة على المفاهيم الوطنية الإرترية. كما يجب السماح للكتاب والفنانين، كل في مجاله الإبداعي، أن يساهموا في خلق المفاهيم التي تعزز وتقوي المشاعر الوطنية الإرترية.

ويلعب فهم التاريخ الإرتري بشكل صحيح دورًا مركزيًّا في تنمية وتعزيز المشاعر الوطنية الإرترية. ويعتبر فهمنا للتاريخ الوطني الإرتري أحد إشكالاتنا الكبيرة. وقد ساهم إسياس وأتباعه ومبعوثوه منذ مدة طويلة في نشر الأكاذيب التاريخية المضللة باستمرار، والمتعلقة بالتاريخ القديم والحديث لبلادنا، وذلك في أوساط مقاتلي وأعضاء تنظيمهم، وفي أوساط شعبنا وشعوب العالم. وبعد أن قاموا بغسل دماغ الجنود والأعضاء بوقائع تاريخية مضللة، أصبح هؤلاء جنود أوفياء في المعركة ضد الوحدة الوطنية، وأصبحوا دون وعي منهم أدوات لمجموعة إسياس في مشروعهم لهدم البنية الأساسية لإرتريا وبناء تجراي –تجرينيي.

وبالتالي، يحتاج شعبنا إلى الكثير من الجهود للوصول إلى فهم صحيح لتاريخه. وهذه المهمة معقدة للغاية. والسبب في هذا التعقيد هو أن المهمة لا تقتصر على إدراك شعبنا، وخاصة الشباب منهم، لتاريخه بشكل صحيح، بل يحتاج الأمر في البداية إلى محو آثار الفهم التاريخي المضلل الذي يعتقدون بأنه هو التاريخ الصحيح. يجب العمل على إقناع الشباب بأن الفهم التاريخي السائد في أوساطهم هو خاطئ ومضلل.

حسب اعتقادي، هناك البعض منا من يخشى من أن يكون لديه معرفة صحيحة لتاريخه. ونخشى من أن هذه المعرفة الصحيحة لتاريخنا والإيمان به سوف يعرِّض استقلال إرتريا وسيادتها للخطر. ويعتبر مثل هذا التخوف نوع من السذاجة. فتاريخنا مرتبط بتاريخ جميع الدول المجاورة لنا. والإيمان بمثل هذه الحقيقة لا يتناقض مع استقلال إرتريا وسيادتها.

فشعبنا في المنخفضات الغربية مثلاً يرتبط تاريخيًّا بالمجتمعات المتواجدة في شرق ووسط السودان، بل يمكن القول إن تاريخهم واحد. أما شعب الهضبة الإرترية فله تاريخ مشترك مع المجتمعات التي تقطن شمال إثيوبيا. ويمكن القول إنه وحتى مرحلة دخول الاستعمار الإيطالي إلى إرتريا كان تاريخه موحدًا.

فالتاريخ ليس بالأمر اليسير، وهو ليس عبارة عن حكايات تسرد لأحداث تاريخية جرت هنا أو هناك. والتاريخ لا يؤثر فقط على مسيرة شعب ما، بل يؤثر أيضًا على تشكله، ويوجه بنيته الحضارية، ويحتضن مشاعر الهوية، والدين، والثقافة، واللغة، والأساطير، والقيم وغيرها من المكونات، لتنتقل بشكل حيوي من جيل إلى آخر في شكل تراث. وعندما ينكر أي شعب من الشعوب تاريخه الحقيقي، يصبح من الطبيعي أن يصاب باختلال في الهوية، وارتباك ثقافي، وتصبح علاقاته بالمجتمعات الشقيقة في الدول المجاورة له مبينة على تقديرات خاطئة وهدَّامة.

وفيما يتعلق بالتاريخ، هناك نقطة في غاية الأهمية علينا نحن الإرتريين أن نعيها. فتاريخ شرق السودان ووسطه هو جزء من تاريخنا بسبب العلاقات التي يتمتع بها إخواننا في قبائل البني عامر وغيرها من قبائل المنخفضات الغربية بهذا الإقليم. وتاريخ إثيوبيا هو أيضًا جزء من تاريخنا عن طريق شعب الهضبة المتحدث باللغة التجرينية من مجتمعنا على أقل تقدير. هذا التاريخ لا يتطلب منا معرفته فقط، بل يجب علينا أن نقبل به ونعتبره جزءًا من تاريخنا، بحكم أنه شكل ما لدينا الآن من أديان، وثقافات، وأساطير، وقيم، وقوانين وأعراف وتطبيقاتها، وساهم بالتالي في تشكيل هويتنا الوطنية. وهناك أهمية قصوى لمعرفة تاريخنا، والتعرف على الجوانب الخاطئة والسالبة فيه لنحذر منها، وأن نحترم ونفخر بالجوانب الإيجابية والبناءة فيه ونطورها. وعندما نقوم بذلك فقط يمكننا عكس المشاعر الوطنية الصادقة في سلوكنا وأهدافنا ورؤانا بصورة عملية.

-7-

كما ذكرت سابقًا شكلت حركة تجراي – تجرييني تحديًا أمام تشكل إرتريا كوطن أم لمكوناتها. فلو تم توحيد تجراي وإرتريا في كيان واحد، كما كان يرجى في ذلك الوقت، كان ذلك سيؤدي حتمًا إلى تقسيم إرتريا التي يتساوى فيها المسلمون والمسيحيون من حيث العدد. لماذا؟  في دولة تجراي-تجرينيي كان المسيحيون سيشكلون الأغلبية الساحقة، والمسلون أقلية ضئيلة، وبالتالي كان ذلك سيكون مخلًّا بالتوازن السكاني للبلاد. وبالتالي كان شعبنا في المنخفضات الغربية سيضطر إلى إنشاء حركة تطالب بالانضمام إلى  السودان هربًا من الهيمنة. وهذا ما كان عليه المخطط البريطاني.

ومهما كان السبب فمشروع تجراي–تجرينيي لم يكتب له النجاح. وقبل جيل الآباء بالحل الفيدرالي كحل وسط خشية تقسيم إرتريا، مؤكدين بذلك على وحدة الكيان الإرتري. لذا، يمكن القول إن الحل الفيدرالي ساهم في استمرارية مفهوم الوطن الأم في إرتريا.

واليوم أيضًا هناك مفهوم خطير يشكل تحديًا أمام إرتريا كوطن أم، وهو المفهوم الذي ذكرته سابقًا والداعي إلى حق القوميات في تقرير مصيرها حتى الانفصال. هذه الفكرة سوف تتفق في نهاية المطاف مع المفاهيم التي طرحها كل من سبهات نجّا وظجّاي برهي. وكما أكد هذان العنصران القياديان في الوياني على أن وطنهما الأم هو تجراي (وليس إثيوبيا)، فكذلك المدافعون عن الحقوق القومية سيقولون لنا إن وطنهم الأم ليست إرتريا، بل بالإشارة إلى أحد مكوناتنا (مثلاً الكوناما، أو البلين، أو التجري أو بذكر إقليم من أقاليم الهضبة  أكلي- غوزاي أو حماسين). هذه المواقف تشكل تحديًا صعبًا لمفهوم الوطن الأم.

أما الدفاع عن تكامل التراب الإرتري كوطن أم نتيجة التركة الاستعمارية لا يهدف إلى إنكار وجود علاقة بتجراي، ولا ينبغي أن يأخذ الأمر هذا التفسير. وأرى أهمية قصوى للتأكيد على هذه النقطة. فحتى لو كانت كل من إرتريا وإثيوبيا دولتين مستقلتين تتمتعان بالسيادة، فليست هناك أية موانع تحول دون تطوير وتحسين العلاقات بين البلدين وفي كافة المجالات. أما إرتريا وتجراي على وجه الخصوص هناك أولوية لتحسين العلاقات بينهما بحكم علاقات الجوار المباشر بينهما. وهناك علاقات تصاهر وتداخل بين المجموعات الساكنة في المناطق الحدودية المتقاربة في كل من تجراي وإرتريا لزمن طويل، بل يمكن القول إن الشريط الحدودي المرسوم على الخارطة لا وجود له عمليًّا بالنسبة لهذه المجموعات، ولا يمكن رؤيته. لذا، ليس هناك أي مانع يحول دون استمرار العلاقة كما كانت مع أبناء تجراي.

وبالنسبة لرأيي المتعلق بحق القوميات ووحدة التراب الإرتري، أحب أن أذكر إخوتنا الإثيوبيين في تجراي أن يتقبلوا هذا الرأي وهم مدركون للمعنى الذي يضيفه لهم في ظل روح الصداقة والسلام.

وبعد أن قمت باختصار بمقاربة المشاكل المستعصية والتحديات الصعبة التي تواجه إرتريا باعتبارها الوطن الأم لمكوناتها، ها أنذا أنهي رسالتي حول هذا الموضوع بحديث يتضمن توصيات.

كما أشرت في مقدمتي تعيش إثيوبيا اليوم في مرحلة ما بعد ملّس زيناوي. وتعتبر وفاة شخص كان له دور بارز ومؤثر في قيادة بلاده صفحة جديدة في تاريخ البلاد. ويصبح هذا الموضوع ذا أهمية نسبة للنتائج المترتبة عليه أو التي يمكن أن تترتب عليه.

كان للثورة الشعبية لتحرير تجراي (الوياني) تأثير كبير في القضية الإرترية، سواء أكان في فترة الكفاح المسلح وحتى يومنا هذا. وبالنسبة لاستراتيجيتهم وأساليبهم في التعامل مع الديكتاتور إسياس ونظامه السيء، بقيادة ملس زيناوي، يمكن القول إن النظام استفاد من هذه السياسات أكثر من ضرره منها. أما بالنسبة للشعب الإرتري حدث العكس تمامًا، فقد لحق به ضرر كبير من هذه السياسات التي ساهمت في تحويل بلادنا إلى جحيم.

وبالنسبة للسيد ملس كشخص، يتفق معظم المراقبين في قدراته القيادية التي تثير الإعجاب. وأنا شخصيًّا أحد المعجبين بشدة بقدراته القيادية. أما بالنسبة لسياساته تجاه إرتريا لم أكن مشيدًا بها في السابق، ولا أشيد بها الآن أيضًا. كان للراحل ملس قبل وقت قصير من وفاته برنامجًا لإجراء تغييرات سياسية في إرتريا، وكان يعتزم على تطبيق البرنامج، بل شرع في تطبيقه – طبقًا لبعض المصادر. ولو كانت التكهنات حول التغييرات السياسية التي كان يعتزم على تطبيقها صحيحة، من الصعب الآن التأكد من مقدار تأثيرها على القضايا المطروحة في هذه الورقة، على الأقل في المرحلة الراهنة.

ومهما كان الأمر، هناك مستجدات قد طرأت في هذه المرحلة، هذه المستجدات تتيح لقيادة “الوياني” فرصة لأن يجروا تغييرات في سلوكهم. فبعد أن يُقيِّموا دون حرج سياساتهم السابقة، عليهم أن يبحثوا بتجرد في الدور الذي لعبوه لإيقاع الشعب الإرتري في هذا المأزق التي يعاني منها اليوم. وانطلاقًا من ذلك، أوصيهم بأن يجروا الإصلاحات الضرورية في سياساتهم تضمن للشعب الإرتري الحفاظ على وحدته وسيادته كوطن أم لمختلف مكوناته، ولتتعزز وتنمو علاقات حسن الجوار بين إرتريا وإثيوبيا.

 

 

 

 

المراجع (Bibliography)

Alemseged Abbay, Identity Jilted or Re-Imagining Ide?, (Lawrenceville, NJ: The Red Sea Press, 1998)

Alemseged Abbay, “The Trans-Mereb Past in the Present”, The Journal of Contemporary African Studies, vol. 35, No. 2, (1997)

Amare Tekle, “The Creation of the Ethio-Eritrean Federation: A Case Study in the Post War International Relations (1945-1950),” PhD dissertation, University of Denver, 1964.

Haggai Erlich, “Tigrean Nationalism, British Involvement and Haile-Sellasse’s Emerging Absolutism – Northern Ethiopia, 1941-1943”, Asian and African Studies, Vol. 15 (1982)

Richard Greenfield, “Pre-colonial and Colonial History”, in Basil Davidson, Lionel Cliffe, and

Bereket Habte Selassie, Behind the War in Eritrea, (Notingham: The Spokesman Press 1980)

Rene Lefort, Ethiopia: An Heretical Revolution? (London: Zed Press, 1983)

Medhane Tadesse, The Eritrean-Ethiopian war: Retrospect and Prospects, (Addis Ababa: Mega Printing Enterprise, 1999)

John Spencer, Ethiopia, The Horn of Africa and US Policy (Cambridge, Mass.: Institute for Foreign Policy Analysis, 1977)

Tekeste Negash, Italian Colonialism in Eritrea, 1882-1941: Policies, Praxis and Impact, (Uppsala: Acta Universitatis Upsaliens, 1987)

US Congress, Sub Committee on African Affairs, Ethiopia and the Horn of Africa, Hearings, 94th Congress, 2nd Session, Aug. 4, 5, and 6, 1976.(Washington, D. C.)

Maurizio Viroli, Republicanism, (New York: Hill and Wang, 1999)

ኣለምሰገድ ተስፋይ፤ ኣይንፈላለ 1941-1950 (ኣስመራ፤ ሕድሪ፡ 2001)

ረድI መሓሪ፤ ትልሚ ንዘርI ክርዳድ፤ (ኪቸነር፡ Oንታርዮ፤ ኣለና፡ 2012)

ተክለ ጻድቅ መኩርያ፤ Aፄ ዮሃንስ Eና የIትዮጵያ ኣንድነት (ኣዲሰ-Aበባ፤ ኩራዝ ኣሳታሚ ድርጅት፡ 1982)

__________________________________

Copyright © 2012 by Tesfatsion Medhanie.

حقوق المؤلف © 2012 تسفاظيون مدهاني

تعتبر هذه الدراسة مبادرة شخصية مني، وليس هناك أية حركة أو أي تنظيم دفعني أو حثني على القيام بها. وأشير هنا إلى أنني أتحمل وحدي كامل المسؤولية بالنسبة لمحتوى هذه الوثيقة ونشرها.

هناك إخوة قدموا لي مساعدات هامة وبمختلف الطرق للقيام بإعداد هذه الدراسة وإكمالها. فالبعض منهم أرسل إلي وثائق، والبعض الآخر قدم لي معلومات، كما أن البعض منهم قدم لي أسئلة هامة تتعلق بمحتوى الوثيقة عندما قمت باستشارتهم، بينما كانت الوثيقة في طور الإعداد، وأبدوا آراءهم بسخاء. لهؤلاء جميعًا أقدم امتناني العميق.

تسفاظيون مدهاني

بريمن: سبتمبر 2012

 

 

 

 

 

إرتريا كوطن أم

المشكلات والتحديات التاريخية والراهنة

 

تسفاظيون مدهاني

بريمن ألمانيا

 

عدد الإرتريين الذين يرغبون في الاستماع إلى الأخبار عن بلدهم في مثل هذه الأيام قليل، أو آخذ في التناقص، والأخبار التي تأتي إلينا هي أخبار مؤسفة ومقلقة. وحتى في وسائل الإعلام العالمية فوطننا في الغالب الأعم، يتم ذكره بالترابط مع المآسي والدمار. أما المفاهيم الأخرى مثل الرفاهية والاستقرار أصبحت مفاهيم غريبة على وطننا إرتريا.

ويمكن لأي مراقب منصف تقريبًا أن يرى بوضوح أن بلادنا تمر بأسوأ حالات الذل والهوان. فالمجتمع الإرتري بأسره مضطهد ويعاني في كافة مناحي الحياة بصورة لم يشهد لها مثيل في تاريخه. وأن الوطن ينادي لإنقاذه بصورة عاجلة، مطالبًا أبناءه بتنظيم صفوفهم للنضال في جبهة واحدة للدفاع عن الوطن الأم من أجل تأكيد الوجود.

وبالتالي لا تدعونا هذه الأوضاع إلى البحث والنقاش حول مفهوم الوطن الأم إرتريا فقط، بل يتطلب منَّا ذلك. وفي استجابة موضوعية لهذا الطلب ها أنذا أقوم بدوري بنشر رسالة للنقاش اعتقادًا مني بأنها تسهِّل عملية الحوار، وذلك بعنوان: “إرتريا كوطن أم – المشكلات والتحديات التاريخية والراهنة”.

وقبل البدء في رسالتي هذه أرى من الضروري أن أتطرق باختصار لوفاة رئيس الوزراء الأثيوبي الأسبق ملس زيناوي.

ففي هذه الأسابيع يدلي المراقبون للأوضاع السياسية في منطقة القرن الأفريقي بتقييماتهم وشهاداتهم المتعلقة بوفاة رئيس الوزراء الأثيوبي السابق ملس زيناوي. وقد أعرب الكثير منهم، سواء أكانوا إرتريين أو إثيوبيين أو أجانب، عن مدى حزنهم على وفاته بدرجات متفاوتة.

وبهذه المناسبة أرغب أنا بدوري أيضًا في أن أعبر عن حزني لرحيله في هذه السن التي يمكن أن يقال عنها إنها سن مبكرة، بصرف النظر عن عدم قناعتي ببعض الأهداف والممارسات السياسية للسيد ملس ونقدي لها. وأتمنى لأهله وذويه الصبر.

والأسباب التي تجعلني آسف على رحيل السيد ملس في هذه السن المبكرة كثيرة، أحد هذه الأسباب هو التالي: تعريف السياسيات التي انتهجها السيد ملس تجاه إرتريا ونتائجها يمكن أن تكون مثار جدل. وهنا لا أرى أية ضرورة للدخول في تفاصيلها. ولا يمكنني أن أنسى حتى لو لم يكن الأمر مثار غضب بالنسبة لي تلك البرامج التي سعى إلى تنفيذها والضارة عمليًّا باستقلال إرتريا الذي كان يبدو في الظاهر أنه كان حريصًا عليه. وأُقدِّر شخصيًّا أنه كان يمكنه التراجع عن بعض ممارساته، والاعتذار ممن تضرروا منها، بعد القيام بإعادة تقييمها، كما ينبغي على كل واحد منّا أن يفعل، وذلك بعد أن يكون قد اكتسب النضوج السياسي العميق الذي يمكن اكتسابه بعد سنوات العمل الطويلة، فيما لو كانت قد كتبت له الحياة والصحة. ويؤسفني كثيرًا عدم حصوله على الفرصة للقيام بمثل هذا العمل.

مضى السيد ملس وقد ترك وراءه تراثًا مثيرًا للجدل. فالبعض منّا يثني عليه ويدعو له بالخير، والبعض الآخر يلومه ويدعو عليه بالشر. وكثيرًا ما يكون موت الزعماء مثار خلاف بالنسبة للتقييمات الصادرة بحقهم. بعضها يميل إلى الجوانب السلبية وبعضها إلى الجوانب الإيجابية، وهذه هي الحقيقة. إلاّ أن الخلافات المتعلقة بالسيد ملس كونها  تتميز بالحدة والتباين الكبيرين، فحتى لو لم تكن غريبة، إلا أن لها مدلولات عميقة.

فقوى المعارضة الإرترية ظلت تردد خلال الفترة الماضية كلمات الثناء الوافر في حق الراحل باعتبار أن الموت في أعرافنا الشعبية يعتبر حدثًا جللًا. لذا يبدو أنه عندما يرحل شخص ما هناك ميل في الماضي والحاضر لإبراز الجوانب الإيجابية فقط. وحتى لو كانت هذه هي الحقيقة، كانت هناك بعض الاطراف الإرترية التي نشرت آراء حول رئيس الوزراء الراحل ملس زيناوي والتي كانت مدعاة للتفكير. خاصة تلك التي تناست الجرائم التي ارتكبت بحق ثورتنا، والتي كانت في محتواها لا تبدو متسقة مع المشاعر الوطنية الإرترية مما أثار حفيظتي بعض الشيء.

وقد تنبهت لهذا الأمر بمحض الصدفة، وذلك أثناء إعدادي هذه الدراسة المتعلقة بالنظر إلى إرتريا كوطن أم، وطبيعية تركيبتها، والمشكلات والتحديات التي تواجهها، حيث اطلعت على بعض الكتابات التي صدرت عن بعض قوى المقاومة. وبحكم ملاحظتي الفرق بين الأفكار التي كنت أقوم بتسطيرها والكتابات التي كنت أقرأها فقد اضطررت للقيام بالمزيد من الدراسة حول الموضوع. وبالتالي أود أن أشير إلى أن هذه المناسبة منحتني الفرصة لأن أتعمَّق وأُوضِّح أكثر الموضوع الذي سأقوم بتناوله.

-1-

وللدخول في موضوعنا الرئيسي، إرتريا بحاجة إلى قوة تنقذها على شكل جبهة للدفاع عن الوطن الأم. ماذا نعني بجبهة الدفاع عن الوطن الأم؟ عند الحديث عن الوطن الأم، والذي سنتطرق إليه لاحقًا بشيء من التفصيل، لا نعني فقط الأرض والإنسان، بل هو مفهوم شامل يضم أيضًا التراث والقيم والتاريخ والحضارة. وفيما يخص إرتريا كل هذه القيم مهددة فيها اليوم، بل الوطن مهدد بالزوال من أساسه، كما أن هناك قلق من أن تتقطع أواصر المجتمع من جذورها. وفي هذا الوقت بالتحديد مطلوب من كل إرتري يعتبر إرتريا وطنه الأم خوض النضال من أجل تحريرها.  

فإرتريا بلد من بلدان العالم الثالث، وبالتالي فهي لم تأت نتاج تطور طبيعي نسبة للتفاعلات التاريخية بين مكوناتها، بل هي صنيعة عمليات الترقيع الفوقية التي قام بها المستعمر الأجنبي الإيطالي. عليه ظلت المرتفعات الإرترية جزءًا من شمال إثيوبيا (الحبشة)، أما المنخفضات الغربية، رغم أنها كانت تتكون من كيانات قديمة تتمتع بحكم ذاتي، إلاّ أنها كانت ترتبط بين حين وآخر بمنطقة شرق ووسط السودان، بما فيها سنّار.

وعندما انتهى الاستعمار الإيطالي في عام 1941، كانت هناك مزاعم تاريخية لبلدان مثل إثيوبيا ومصر اللتين طالبتا بأن تمنح لهما إرتريا أو أجزاء منها. كما كانت هناك مصالح استراتيجية لكل من بريطانيا وإيطاليا. وبالتالي وضعت في تلك المرحلة عمليًّا قضية السيادة الوطنية الإرترية ومدى أهلية إرتريا كوطن أم لمكوناتها موضع تساؤل.

ولفهم تلك الأوضاع علينا مراجعة الأجواء السياسية التي كانت تسود في إرتريا حينها. فعندما هُزِمَت إيطاليا، احتلت بريطانيا إرتريا كممثل لقوات التحالف، وأنشأت فيها بعد فترة وجيزة فقط إدارة عسكرية. هذه الإدارة بذلت أقصى ما تستطيع لربط مستقبل إرتريا بما يتلاءم مع المصالح الاستعمارية البريطانية في المنطقة.

ولفهم الأسلوب البريطاني علينا أن نتنبه لخطتين كان مهندسو السياسية الخارجية الإيطالية قد وضعوها للتعامل مع إثيوبيا، وهاتان الخطتان هما “سياسة شوانا”، و”سياسة التجرنيا”. وكانت الخارجية الإيطالية تُفضِّل “سياسة شوانا” التي تعتمد على خلق علاقات حسن جوار بين الإمبراطورية الإثيوبية والمستعمرات الإيطالية المجاورة لها. ولتنفيذ مثل هذه الخطة كان على ساسة إيطاليا أن يدعموا حصر السلطة في أديس أبابا وضواحيها بأيدي إقطاعيي إقليم شوا.

أما “سياسة التجرنيا” والتي كانت تحظى بدعم مكتب المستعمرات الإيطالي كانت تناهض “سياسة شوانا”. وكانت ترجمة هذا المفهوم عمليًّا يتمثل في دعم وتشجيع الأطراف التي تناهض الحكومة المركزية في شوا. وفيما يخص إقليم “تجراي”، كان المبدأ الذي تنطلق منه “سياسة التجرنيا” تقوية القيادات الإقطاعية التقليدية فيه بهدف تفكيك وإضعاف سيطرة حكومة شوا.

وفي الفترة التي أنشأ فيها البريطانيون إدارة عسكرية في إرتريا، كانت لديهم محاولات للسيطرة على إثيوبيا بصورة استعمارية بعد أن استقلت من الاحتلال الإيطالي في عام 1941. ولتنفيذ مثل هذه الخطة اختار البريطانيون “سياسية التجرنيا” من بين السياستين اللتين تم ذكرهما، لتكون موجِّهة لسياساتهم. كما أن مقارباتهم للشأن الإرتري جاءت بصورة تخدم “سياسة التجرنيا”.

وباعتبار أن الإدارة العسكرية البريطانية كانت تنتهج فيما يخص إرتريا “سياسة التجرنيا”، كان هدفها الرئيسي “إلحاق تجراي بإرتريا”. وعندما يتم فصل تجراي تقريبًا ويتم إلحاقها بإرتريا، يمكن للبلدين معًا أن ينشئا ما يعرف “بوطن التجراي”. هذا الوطن الجديد، وبعد خضوعه للانتداب البريطاني، يمكن ربطه بإثيوبيا غير المركزية بعلاقة غير متينة. وربطًا بهذا الموضوع كانت سياستهم تهدف إلى تجزئة إرتريا، بربط المنخفضات الإرترية بالسودان، بحكم أن السودان كان خاضعًا في تلك المرحلة للسيطرة البريطانية، وكانت بريطانيا تعتبره معقلًا مأمونًا لها. ووفقًا لهذا البرنامج كانت الشواطئ الإرترية التي تقع جنوب مدينة مصوع  برمتها ستلحق بأثيوبيا. وبالتالي المرتفعات الإرترية حتى مصوع بالإضافة إلى تجراي كان من المقرر أن ينشأ فيها “وطن التجراي”.

وتنفيذًا لهذا البرنامج كان الحاكم العسكري البريطاني ستيفن لونغريغ يتحرك لإيجاد مفهوم “المشاعر الوطنية التجراوية”، التي وجدت لها مكانًا في الفضاء السياسي الإرتري. وبالتالي كثف البريطانيون تحركاتهم لتسود المشاعر التجراوية في أوساط المسيحيين المتحدثين بالتجرينية من أبناء الهضبة.

ولتمرير هذا الهدف كان على الشعب الإرتري أن ينخرط في الحراك السياسي ليتم استهلاك طاقاته في نقاشات وخلافات. وتحقيقًا لذلك أنشأوا بسرعة حرية الصحافة وحرية تنظيم الأحزاب السياسة في البلاد، هذا الأمر وإن كان مطلوبًا في حد ذاته، ويساعد على التطور، لكن البريطانيين قاموا به لحماية مصالحهم، ولزرع الشقاق في صفوف شعبنا، وبالتالي من المهم وضع ذلك في الحسبان.

ففي الوقت الذي كانت فيه الأجواء السياسية في إرتريا متأثرة سلبًا بالمؤامرات التي كانت تحيكها بريطانيا، كان جيل الآباء قد انخرط في العملية السياسية لتقرير مستقبل بلادهم. وكان ظهور الخلاف فيما بينهم حول مصير إرتريا أمرًا حتميًّا، وهذا ما حدث بالفعل. فالبعض منهم كان يدعو إلى وحدة كاملة مع إثيوبيا، بينما كان البعض الآخر يدعو إلى الاستقلال الكامل. وكان هناك من يرى أن تخضع إرتريا تحت حماية الأمم المتحدة أو الحماية البريطانية. أما أولئك الذين كانوا يسعون إلى محو إرتريا من الوجود بتقسيمها بين السودان وإثيوبيا لم يألوا جهدًا لإذكاء جذوة التقسيم.

 

-2-

وكان من بين الأحزاب المنادية بالاستقلال والذي كان اسمه الرسمي “حزب الحرية والتنمية الإرتري- إرتريا للإرتريين”، كان العامة كانوا يطلقون عليه اختصارًا حزب “إرتريا للإرتريين”، بينما كان البريطانيون يطلقون عليه “الحزب الليبرالي التقدمي”. كان موقف هذا الحزب، خاصة في بداياته، توحيد إرتريا مع الجزء المتحدث بالتجرينية جنوب نهر مرب في تجراي وما بعدها، ليُشكِّل وطنًا ذا سيادة بعد فترة وصاية بريطانية. وهذا التوجه عرف لاحقًا ب”تجراي – تجرينيي”.

بالتالي شعار “إرتريا للإرتريين” كان في حقيقته مشروع ” تجراي-تجرينيي”. وما كان يعرف ب”قوم الأجاعز” أو “أرض الأجاعز”، لم تكن جزءًا من الأرض التي تعرف اليوم ب” مَرَب مِلَّاش”* – ما قبل نهر مرب “القاش”، بل تمتد شرقًا حتى ” أَلِوَها مِلَّاش**- ما قبل الأرض الخالية من المياه”، وغربًا حتى ” تَكَّزِي مِلَّاش***- ما قبل نهر ستيت”. ولكن لاحقًا ونتيجة لبعض التطورات، كما سنرى فيما بعد، ظهرت خلافات كبيرة داخل حزب “إرتريا للإرتريين”، وأخذ شعار توحيد الأرض المعروفة ب”ألوها ملاش” يضعف تدريجيًّا.

أما بالنسبة للحركة التي كانت تحمل شعار “تجراي–تجرينيي” نحتاج أن نتعمق فيها بعض الشيء لنفهم النفسية التي كانت تقف خلفها، حتى لا يتكرر التاريخ مرة أخرى.

وحسب التوضيح الذي قدمه البروفيسور ألم–سجّد أبّاي لشعار “تجراي–تجرينيي” فقد كان تعبيرًا عن نهضة أو عودة الروح الوطنية مجددًا. فالنهضة الوطنية كانت عبارة عن حركة ظهرت في القرن التاسع عشر فيما تعرف اليوم بإيطاليا. كانت الشعوب التي تتحدث الإيطالية تعيش في ولايات صغيرة ومجزأة حتى عام 1870. وبالتالي، فالنهضة الإيطالية كانت عبارة عن حركة خاضت نضالاً ثقافيًّا وسياسيًّا لتوحيد الشعوب التي كانت تتحدث الإيطالية، وكانت تعيش في ولايات صغيرة ومجزأة في وطن واحد اسمه إيطاليا.

وبالنسبة لإرتريا- ونعني هنا تحديدًا بالنسبة لحركة “تجراي–تجرينيي”، ماذا كانت تعني هذه التجربة؟ كان ذلك يعني أن الشعب الذي يتحدث التجرينية، ومنذ عهد حضارة أكسوم، كانت له وما يزال هوية ثقافية ودينية واحدة، وشعور موحد بالهوية، وكانت هناك علاقات مصاهرة في داخله، وبالتالي يمكنه أن يشكل وطنًا موحدًا. وكما يقول ألم-سجّد أبّاي، كان الحجر الأساس لمفهوم “تجراي–تجرينيي” التاريخ القديم أو العريق،

*مرب ملاش – معني بها الأرض الواقعة ضمن حدود أرض الداخل الإرتري

**ألوها ملاش – معني بها الأرض الواقعة خارج حدود الأرض الإرترية، وتتجاوز الأنهر الموسمية (القاش وسيتيت) التي تعتبر حدودًا طبيعية بين إرتريا وإثيوبيا، لتغطي كامل أرض إقليم تجراي في شمال إثيوبيا، وأجزاء أخرى في الداخل الإثيوبي               

***تكزي ملاش – معني بها أيضًا الأرض الواقعة ضمن حدود أرض الداخل الإرتري                      (المترجم)

 

 

وبالتالي كان المفهوم عبارة عن فلسفة تهدف إلى تأطير كل المتحدثين باللغة التجرينية تحت سقف كيان سياسي واحد، بمعنى أن يكونوا تحت مظلة وطن واحد.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ووصول وفد الدول الأربعة الكبرى، الذي كان يمثل الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، وفرنسا، وبريطانيا إلى بلادنا للاطلاع على رغبات شعبنا، قدم إليهم حزب “إرتريا للإرتريين” مذكرة جاء فيها أن إقليم تجراي “سواء أكان بموقعه الجغرافي، وثقافته، وتاريخه، وعلاقاته التجارية، وكما كان في السابق أيضًا فهو جزء من إرتريا”، الأمر الذي كان يتناغم، وكما ذكرنا سابقًا، مع الخطة التي وضعها البريطانيون لإلحاق إقليم تجراي بإرتريا. وبلغة أكثر وضوحًا، كان ذلك الموقف يعكس الاعتقاد السائد في فكرة ” تجراي–تجرينيي” على النحو التالي:

“كل الحروب التي جرت في شمال إثيوبيا، سواء أكانت ضد المصريين، أم الإيطاليين، وكذلك في المعارك التي جرت ضد الدراويش في المتمة، كانت تدار من قبل شعب وقادة المجتمع (الأمراء) في إرتريا وتجراي وليس بأبناء شوا. وهذا يشير إلى أنه لا يوجد قاسم مشترك بين الشعب الذي يتحدث التجرينية بشعب شوا من الناحية الجغرافية، أو الإثنية، أو التاريخية أو المنشأ. ولو تحدثنا عن الماضي، فالحضارة الإثيوبية القديمة كان منشؤها في إرتريا وتجراي (أكسوم)، وبالتالي لم تنتقل من شوا إلى الشمال. وكان أبناء شوا في تلك الحقبة قبائل رعوية متنقلة وغير متحضرة. بل يجب أن نذكر بكل تأكيد أن شوا كانت في تلك الحقبة خاضعة للشعب الناطق بالتجرينية”.

ويتضح لنا مما قيل إن منطلقات حزب إرتريا للإرتيريين، وكما قال البروفيسور تخستي نجاش “مبني على التركيز في التاريخ العريق والمجيد الذي كان ينعم به شعب تجراي، وعلى المكانة العالية والريادية التي كان هذا الشعب يتمتع بها قديمًا في إثيوبيا”. كما يتضح أيضًا أن هذا الموقف كان مشوبًا بنظرة استعلائية أو تفاخرية. بالإضافة إلى أنه كان يمثل نموذجًا واضحًا لسياسة التجرينيا الرافضة لحكومة شوا.

هناك نقطة ترتبط بهذا الموضوع لا بد من إثارتها، وهي أن بعض الآباء الذين رفعوا شعار “إرتريا للإرتيريين” انطلقوا من نظرة توسعية تسعى إلى ضم بعض الأراضي التي تخضع لسيطرة دول أخرى إليهم بدعوى أن ملكيتها تؤول إليهم، وهذه الأراضي هي الواقعة في شرق السودان والتي تضم مدينة كسلا الحالية.

كما أن هناك قضية هامة لم تحظ باهتمامنا الكافي منذ القدم والتي تتعلق بشعار “إرتريا للإرتيريين أو تجراي – تجرينيي”، وهذه القضية هي أن الوطن الذي أطلق عليه”تجراي –تجرينيي” من كان سيقوده؟ وللرد على هذا السؤال، وحتى لو لم نتمكن خلال السنوات الماضية من التنبه له، إلاّ أنه كان جليًّا وواضحًا على الأقل بالنسبة لمعظم الناشطين ضمن شعار “إرتريا للإرتيريين” بأن قيادة وطن “تجراي-تجرينيي” كانت ستؤول إلى القيادات الإقطاعية في إقليم تجراي. وكانت هناك نخبة من أبناء الهضبة الإرترية الذين كانوا يؤمنون بأحقية وقانونية القيادات الإقطاعية التجراوية، وبالتالي، كانت الفكرة بأن “الراس سيوم منجشا” حفيد الملك يوحنّا “يوهنس” بإمكانه أن يكون قائدًا لدولة “تجراي-تجرينيي”.

والمشاعر الوطنية المبنية على فكرة “تجراي-تجرينيي”، لم تكن لها حركة بارزة في منطقة ما وراء نهر مرب، أي في تجراي. وبمعنى آخر فإن فكرة “تجراي-تجرينيي” لم ترق لشعب تجراي، لكن هناك من يقول إن بعض القيادات الإقطاعية في تجراي كانت قد تبنت لبعض الوقت على الأقل فكرة شبيهة بفكرة “تجراي-تجرينيي”. وعلى سبيل المثال يبدو أن الراس سيوم منجشا، والدجازماتش هيلي-سلاسي جوجسا كانا لبعض الوقت يتبنيان فصل إقليم تجراي عن إثيوبيا. ويقال أيضًا إن كليهما قاما في بعض المراحل بتأييد فكرة أن يدار إقليم تجراي وإرتريا معًا لبعض الوقت من خلال بريطانيا أو أية قوة أجنبية أخرى.

وبالتالي، فإن حركة “تجراي-تجرينيي” كانت متواجدة أكثر في إرتريا، وهي كانت أيضًا محدودة في جزء معين من الهضبة الإرترية. وعمومًا فإن محاولات البريطانيين الرامية إلى هيمنة المشاعر التجراوية في أوساط مسحيي الهضبة لم يحالفها النجاح. وكما أوضح البروفيسور إيرليك هاغاي، فالأقلية التي حصلت على التعليم الحديث، أو التي سكنت المدن من الإرتيريين “كانوا متأثرين بالمفاهيم الحديثة”. وتجراي بالنسبة لهم لم تكن تمثل نموذجًا للحداثة، بل تمثل التخلف والمحافظة. وبالتالي، فإن غالبية طلائع الشباب الإرتري المسيّس ربطوا “المفاهيم السياسية الحديثة” التي تبنوها بالمشاعر الإثيوبية، وعليه كانوا “معجبين” بهيلي-سلاسي. 

وكما أوضحنا سابقًا، البريطانيون كانوا راغبين في تحقيق نوع من أنواع الوحدة بين تجراي وإرتريا تكون خاضعة لسيطرتهم. لكن وبعد فترة، ونسبة للتغيرات السياسية تخلَّوا عن فكرتهم وبادروا بتأييد فكرة الحل الفيدرالي التي قام الأمريكيون بطرحها، وكانت تضمن لإرتريا وحدة مع إثيوبيا تتمتع بضمانات. كما قام بعض القيادات والأعضاء البارزين في حزب إرتريا للإرتريين بتغيير مواقفهم وقبلوا بالحل الفيدرالي كحل وسط. جاء هذا التغيير نتيجة الانشقاق الذي كان قد حدث في الحزب قبلها نسبة للمؤامرة التي حاكها ممثل الحكومة البريطانية في إرتريا العقيد فرانك ستافرد والتي أدت إلى حدوث انشقاق داخل الحزب، ونشأت عنه جمعية أُطلِق عليها “الوحدة التحررية مع إثيوبيا”.

وجدت فكرة الفيدرالية قبولاً واسعًا لدى سائر الأحزاب السياسية. والسبب الذي أدى إلى قبولهم بها ليس لأنها كانت خيارهم الحقيقي كما أوضحوا ذلك لاحقًا، بل لأن الفيدرالية كانت السبيل الوحيد الذي يضمن استمرارية  إرتريا ككيان موحد. فمثلاً الراس تسما أسبروم الذي كان يرأس الكتلة الاستقلالية، والذي كان سابقًا من أكثر المدافعين عن فكرة “تجراي-تجرينيي”، قبل بالحل الفيدرالي الذي قدمته الأمم المتحدة واعتبره انتصارًا. ولتبرير صحة موقفه نسبة للظروف التي كانت سائدة ذكر ما يلي “نحن ناضلنا من أجل الاستقلال الكامل، وبما أننا لم نتمكن من تحقيقه، فهذا النصر الذي تحقق اليوم يجب أن يكون في مصلحة الجميع. وبفضل هذا الانتصار لم تنته وحدة بلادنا، كما أن شعبنا لم يتم تقسيمه”.

وبالنسبة لجيل الآباء الذين كانوا ينادون بالاستقلال وقبلوا بالحل الفيدرالي على مضض، يمكن الإشارة إلى أنهم كانوا يحسون بالحرج. فمثلاً السيد ولدآب ولدماريام يقال إنه وصف هذا الوضع الحرج قائلاً “الغريق يتعلق بالقشة” وبالتالي بالنسبة لجيل الآباء كانت وحدة إرتريا هدفًا “استراتيجيًّا” مرغوبًا لذاته. وكان الحل الفيدرالي حسب رأيهم تكتيكًا يحقق ذلك التطلع.

ولم تقبل حكومة الامبراطور هيلي-سلاسي أيضًا بالحل الفيدرالي باعتبار أنها راغبة فيه وتؤمن به، بل لأنه لم يكن لديها خيار آخر. ففي ذلك الوقت كان عدد الإرتريين الذين يناهضون الوحدة الكاملة مع إثيوبيا أكثر بكثير من الذين كانوا ينادون بالوحدة الاندماجية معها. كما أن المطالب الإثيوبية لم تحظ بتأييد كاف في أروقة الأمم المتحدة. لذا قبل الامبراطور هيلي–سلاسي بالحل الفيدرالي، وكما أشار الدكتور أماري تخلي في الدراسة الموسعة التي قام بها في عام 1964، نصحه مستشاروه بالقبول بالحل الفيدرالي لأنه يمكن هدمه بشكل تدريجي، وضم إرتريا إليه نهائيًّا.

لم تكن هناك فقرة قانونية تسن على محدودية الفترة الفيدرالية، لكنه تم إشاعة أن فترة الفيدرالية محددة بعشر سنوات، وكانت تلك عبارة عن تهيئة ذهنية تساعد على هدم النظام الفيدرالي. وبالتالي وبعد أن قامت حكومة هيلي-سلاسي بتهيئة الأرضية المناسبة لهذا الفهم، قامت بالتعاون مع بعض الإرتريين بتعويض  النظام الفيدرالي بصورة تدريجية في عام 1962، أي بعد مرور عشر سنوات على النظام الفيدرالي.

بالنسبة لحكومة الامبراطور هيلي–سلاسي كان النظام الفيدرالي وسيلة فقط، وكانت الاستراتيجية الهيمنة الكاملة بمرور الوقت على إرتريا.

وهناك أهمية خاصة لنذكِّر ونؤكد على أن الفيدرالية كانت عبارة عن مرحلة انتقالية، والسبب في ذلك هو أننا قلقون من أن التاريخ يعيد نفسه بصورة أو بأخرى الآن أيضًا!!

-3-

في عام 1961، وقبل الإعلان عن انتهاء النظام الفيدرالي رسميًّا، فجرت جبهة التحرير الإرترية بقيادة حامد إدريس عواتي الكفاح المسلح. وبحكم التركيبة الاجتماعية والدينية لبلادنا، والتناقضات التي يمكن إرجاعها إلى مؤثرات تاريخنا الحديث، واجهت الثورة الإرترية في بداياتها الكثير من المشكلات والعقبات.

ومنذ أن بدأ إسياس أفورقي في عام 1970 تحركاته لإنشاء تنظيم خاص به، استغل بصورة سيئة التناقضات الاجتماعية القائمة التي ظهرت في المجتمع الإرتري وفي تنظيم جبهة التحرير الإرترية. فإسياس وفي البيان الذي أصدره بعنوان “نحن وأهدافنا”، والذي حاول نثر بعض المفردات الوطنية في ثناياه لخداع الجماهير، توجه بصوت عال إلى المسيحيين من الشعب الإرتري للقبول به واتباعه، وبالتالي لم تكن وثيقة “نحن وأهدافنا” تهتم بأوضاع الشعب الإرتري وحقوقه، بل كانت صرخة مشؤومة أطلقها إسياس لتحقيق أحلامه الجشعة. وكما أوضح المناضل ردئي محاري في كتابه الذي اكتسب شهرة واسعة فإن إسياس أطلق على بيانه “نحن وأهدافنا” لتضليل الجماهير، إلاّ أن الحقيقة كانت تقتضي أن يطلق عليه “أنا وأهدافي”.

وعندما التحق إسياس أفورقي بالثورة الإرترية، لم يكن هدفه الحقيقي وتطلعاته حرية إرتريا وسيادتها، بل كان هدفه الذي ظل يتحرك بحذر شديد لتحقيقه في الخفاء فكرة “تجراي-تجرينيي”، كما أخبرنا بذلك مرارًا ردئي محاري وتسفاي تمنوو، وغيرهم من الذين ناضلوا في الجبهة الشعبية.

وحتى في فترة الكفاح المسلح كان إسياس وأعوانه، سواء قصدوا ذلك أم لا، كانت هناك فترات أفصحوا فيها عن توجهاتهم الداعية إلى “تجراي- تجرينيي”. فمثلاً الصحفي الفرنسي الذكي والمعروف رينيه ليفورت عندما ذهب إلى الميدان لزيارة مواقع الجبهة الشعبية أبدى الملاحظة التالية في كتابه الذي طبع في عام 1983، وقال إنه سمعها من أحد قيادات الجبهة الشعبية عندما كان يعطي توضيحًا مسهبًا عن التنظيم. أوضح ذلك العنصر القيادي في نهاية حديثه “أهداف الثورة الإرترية” على النحو التالي: “نحن ورثة مملكة أكسوم، ولن تكون لنا أية علاقة مع حكومة شوا”. هذا الصحفي الحصيف رينيه ليفورت عندما لاحظ أن مثل هذا الكلام لا يمكن أن يقال سدى، بل له مدلولاته الكبيرة، سجل تلك الملاحظة في كتابه.

تمكن إسياس من إحكام قبضته على تنظيم الجبهة الشعبية بعد سقوط الامبراطور هيلي–سلاسي واقتلاع نظامه الملكي من جذوره في منتصف السبعينيات إثر ثورة حدثت في البلاد. وفي خضم هذه العملية أحكمت الطغمة العسكرية “الدرغ” سيطرتها على مقاليد الحكم، وبعد فترة أعلن “الدرغ” تبنيه للنهج الاشتراكي وقام بتوطيد علاقاته مع الاتحاد السوفييتي. كانت تتميز تلك الحقبة بالحرب الباردة، وكان التنافس الفكري والاستراتيجي في أوجه بين المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي والمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد أزعج ارتباط الطغمة العسكرية في إثيوبيا بالمعسكر الشرقي الولايات المتحدة الأمريكية وسائر الدول الغربية، وبالتالي بدأوا بدراسة السبل الكفيلة لإسقاط نظام”الدرغ”، ووضعوا مخططًا يلامس الثورة الإرترية بصورة مباشرة. وكان المخطط الذي توصلوا إليه يتلخص في استخدام الثورة الإرترية لإسقاط “الدرغ” وفقًا للخطة التالية.

من بين الحركات التي كانت تناهض “الدرغ” بالسلاح كانت الثورة الإرترية ممثلة في جبهة التحرير الإرترية والجبهة الشعبية لتحرير إرتريا. وكانت المشكلة -حسب رأي مهندسي الاستراتيجية السياسية للولايات المتحدة الأمريكية- أن هدف الفصائل الإرترية هو الاستقلال الكامل، أي الانفصال عن إثيوبيا. أما استقلال إرتريا لا ينسجم مع أهداف واستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية، لأن انفصال إرتريا سوف يكون مشكلة بالنسبة لأمن إسرائيل. وبالتالي قرر الأمريكيون استخدام الثورة الإرترية، لكنهم قرروا في الوقت نفسه ضمان أن يتم استقلال إرتريا بصورة لا يشكل بها خطرًا على أمن إسرائيل.

ولحل مشكلة إرتريا على هذا النحو قدم الخبراء الأمريكيون آراء مختلفة. والتي تهمنا من بين تلك الآراء هما الفكرتان التاليتان:

الفكرة الأولى هي أن استقلال إرتريا سوف لن يشكل تهديدًا لإسرائيل، والسبب في ذلك أنه وبالإشارة إلى نشوء ثورة تحرير شعب تجراي (الوياني)، وبحكم وجود حركة انفصالية في تجراي أيضًا، وبعد انفصال تجراي سوف تنضم بشكل من الأشكال إلى إرتريا، وسوف تكون غالبية سكان البلد الجديد من المسيحيين. وبالتالي الوطن الذي يضم تجراي وإرتريا، والذي سيشكل المسيحيون غالبية سكانه لن يشكل تهديدًا لإسرائيل. هذا الرأي قدمه الخبير القانوني في مجلس الشيوخ الأمريكي توم فيرر في شهر أغسطس عام 1975.

 أما الرأي الآخر فقد قدمه الخبير جون سبينسر، وكان محتواه على النحو التالي: التنظيمات الإرترية هي الوحيدة القادرة على إسقاط نظام الطغمة العسكرية الحاكم في إثيوبيا (الدرغ)، وطرد الاتحاد السوفييتي من القرن الأفريقي. لكن هذه التنظيمات تدعو إلى الانفصال عن إثيوبيا، أي الاستقلال.  واستقلال إرتريا ليس رغبة أمريكية، وبالتالي ما العمل؟ قدم سبسينسر بعدها هذه المحاولة. لندع استمرار شعار استقلال إرتريا حتى سقوط “الدرغ” وخروج الاتحاد السوفييتي من القرن الأفريقي. وبعد سقوط (الدرغ) وتسلم السلطة في إثيوبيا من قبل نظام يتوافق مع أمريكا يمكن لإرتريا أن تستقل.

لكن الهدف من استقلال إرتريا هو ألاّ يكون حالة دائمة أو ثابتة، بل يكون لفترة قصيرة فقط، وبتعبير جون سبينسر يكون الاستقلال “تجربة سريعة الزوال – Fleeting Experience” بمعنى أن يصبح فقط تجربة غير مستقرة وتزول بسرعة. وهذا معناه أن تصبح إرتريا وطنًا مستقلًّا لوقت قصير. وبعدها ماذا ستكون؟ حسب خطة جون سبينسر فإن إرتريا وبهذا الشكل ستزول تدريجيًّا بعد تقسيمها. فبالنسبة للمرتفعات ودنكاليا، وبداية من مصوع وحتى باب المندب جنوبًا، يتم ضم هذا الشريط الساحلي على البحر الأحمر إلى إثيوبيا، شريطة أن يكون له حكمًا ذاتيًّا (وعندما يقال مع إثيوبيا فالمعنى هو أن ينضم هذا الجزء إلى تجراي بحكم أن تجراي وإرتريا هما على علاقة جوار مباشر فيما بينهما). أما الجزء الآخر من إرتريا، وهو إقليم الساحل والمنخفضات الغربية معه والذي يشكل المسلمون غالبية سكانه، يتم ضمه إلى السودان. وهكذا تصبح إرتريا ممزقة. هكذا كانت خطة سبينسر.

هذه الأشياء التي ذكرتها مرارًا والمتعلقة بالأفكار التي قدمها كل من فيرر وسبينسر، يبدو أن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية أخذت هذه الآراء في حسبانها وجعلتها مرتكزات لسياساتها.

وانطلاقًا من الاستراتيجية البعيدة المدى والرامية إلى إزالة إرتريا من الوجود، تم الهجوم على جبهة التحرير الإرترية من قبل الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا تساندها “الوياني”. وطبقًا للصورة البادية للعيان اليوم، أولئك الذين كانوا داخل جبهة التحرير الإرترية من العناصر الذين قامت الجبهة الشعبية بتجنيدهم لصالحها، بالإضافة إلى العناصر الذين تم تجنيدهم من قبل قوى خارجية، فقد تآكلت جبهة التحرير الإرترية من داخلها وتبعثرت، وخرج جزء كبير من مقاتليها من الميدان. وهكذا أصبحت السياسات التي ينتهجها إسياس هي الطاغية في الثورة الإرترية. ومنذ عام 1980-1981، حتى لو كان يطلق على الحركة المسلحة في إرتريا “الثورة الإرترية”، فإنها كانت تخدم أهدافًا أخرى، بمعنى أهداف إسياس والمتعاونين معه في الغرب وغيرهم. وبعبارة أخرى فالثورة الإرترية ومنذ ذلك التاريخ لم تعد حقيقة بل أصبحت وهمًا. واقتباسًا من كتاب ردئي محاري سوف أنقل لكم مقتطفًا يبين هذه الحقيقة “بالضبط وكما يتم خداع البقرة التي مات وليدها بجلده لتدر اللبن لعدة أشهر، تم تضليل الشباب لعدة أعوام للنضال باسم الثورة الإرترية، رغم أن الثورة كان قد تم حرفها عن مسارها. وكان الثمن إراقة دمائهم”.

كانت سياسة إسياس، وكما أوضحنا سابقًا، ترمي إلى تحقيق هدف تجراي–تجرينيي. لذا، وبمنطق الجدل فإن هدف الكفاح المسلح الطويل الأمد أصبح إقامة دولة تجراي- تجرينيي، ولم يعد هدفه الحقيقي بناء دولة إرترية ذات سيادة وموحدة. واستقلال إرتريا كان مجرد شعار أو وسيلة، وهذا ما يبدو عليه الوضع حتى هذه اللحظة.

وهناك شخص آخر أبدى حزنه الشديد على الأوضاع الحالية، حيث استشهد والده في الميدان، كما أنه أمضى شبابه في الميدان- وأعتقد أنه يدعى “بايلوت – Pilot“، سمعته وهو يتحدث في البالتوك على النحو التالي: ” نضالي كان سدى، كما استشهد والدي سدى”. وهذا القول فيه صراحة ودقة. بمعنى، لو نظرنا إلى الموضوع بمنظار المرحلة الراهنة – وبالوضع في الحسبان أوضاع ما تسمى بإرتريا المستقلة اليوم، فإنه يقول لنا “إن نضالي لم يكن لمصلحة إرتريا، وأن والدي لم يضح بحياته لمصلحة إرتريا”.

وكما قال هذا المناضل، فإن هذا الوضع الذي يطلق عليه إسياس وجماعته الاستقلال، لم يستفد منه الشعب الإرتري. كان الدافع بالنسبة لكل المناضلين، وليس فقط أولئك الذين استشهدوا أو أصيبوا بإعاقات، التضحية من أجل الشعب والوطن، لذا أحب أن أؤكد على أن هذا الأمر هو محط تقديري واحترامي.

حتى لو قلنا إن الشعب الإرتري لم يجن ثمرة نضالاته، لا يعني ذلك أن هناك أطرافًا لم تستفد من هذا النضال. ففي معظم الأحيان تقريبًا هناك قضية وهي أن كل النضالات والأعمال، أو الجهود النضالية لا يمكن أن تهدر. هناك من يستفيد من هذه الأوضاع.  والسؤال هو من المستفيد؟ هناك أطراف استفادت من نضال الشعب الإرتري ومن تضحيات أبنائه. فالقوى الغربية التي كانت تسعى إلى إسقاط “الدرغ” وإعاقة الاشتراكية حققت أهدافها. والوياني تمكنوا من الإمساك بزمام السلطة في إثيوبيا. وإسياس أفورقي وجماعته يحكمون في إرتريا، وتمكنوا من تمرير مشروعهم. وهناك أطراف أخرى بمن فيهم أفراد إرتريون يمكن أن يقال أيضًا إنهم استفادوا.

-4-

تمر إرتريا اليوم بمرحلة ضياع بحيث يمكن القول إنها تسير في طريق الهلاك. أما تفاصيل معاناة وطننا كنا قد تطرقنا إليها من قبل. وأحد الأمور التي تدعونا إلى القلق والتفكير الكثير هو أن مثل هذه الأوضاع كان يفترض ألاّ تحدث في إرتريا.

فالأوضاع الراهنة في إرتريا تذكرني بمقولة قالها المراقب الروسي (السوفييتي) فلاديمير بازنر في نهاية الثمانينيات تقريبًا، عندما سأله الصحفي الأمريكي فيل دونهيو: “ما الأمر الذي يحزنك كثيرًا في وطنك”، قال بازنر في إجابته: “لدي تقدير عما كان يمكن أن تصل إليه بلادي، وأعرف أين هي الآن بصورة ملموسة، ويحزنني الفرق الشاسع بين ما كان يمكن أن تصله، وبين ما هي عليه الآن”. هذا الحديث يصف الوضع في إرتريا كما هو.

نحن مدركون لما كان يمكن لإرتريا أن تحققه، خاصة نحن الذين قضينا طفولتنا في إرتريا، ونوجد حاليًّا في خريف العمر. كان الإرتريون يتميزون بحبهم للعمل، وهذه هي الحقيقة. وبسبب أوضاعنا وقلة موارد بلادنا الطبيعية، كان علينا العمل وبذل الجهد لتحسين أوضاعنا المعيشية. ففي دول الجوار مثلًا، سواء أكان في إثيوبيا أو السودان، كنا نحظى بالتقدير والاحترام بسبب حبنا للعمل، والإنتاجية، والأهلية، والمهارة، والأمانة، وهذا ما جعل الإرتريين مرغوبين في العمل.

وكبلد مستقل، بعد أن يتم توظيف هذه القدرات أو الإمكانيات الكامنة فينا، كان يمكن أن نزدهر، ونتطور، ونعكس صورة مشرقة كمجتمع. والواقع الماثل في إرتريا اليوم هو عكس ما كان يجب أن يكون عليه الحال.

أصبحت إرتريا وبكافة المعايير منبوذة. فشعبنا اليوم فاقد لأبسط الحقوق السياسية، ولا تحترم حقوقه الإنسانية على الإطلاق، وقد تكالبت عليه عوامل الفقر، كما حرم من الجوانب الإنسانية في حياته الاجتماعية، وتهيمن على أوضاعه عوامل الخوف والرعب دون أن تكون هناك أية بوادر تنقذه أو تحميه منها. أما أوضاع شبابنا على وجه الخصوص فهي محزنة وتراجيدية للغاية. ففي المرحلة التي يفترض أن يكونوا فيها سعداء، يتعرضون للاستعباد تارة باسم “ساوا”، وتارة أخرى باسم الخدمة الوطنية. وفي محاولاتهم للهروب من هذا الجحيم، أصبح البعض منهم طعمًا للأسماك التي لا ترحم، والبعض الآخر منهم وبعد وقوعهم ضحايا في أيدي عصابات الإجرام يتم سلخهم كالمواشي لنهب كلاهم وأعضائهم الداخلية الأخرى، ويتم التخلص من جثثهم برميها في براري الصحراء الأفريقية وفي سيناء وغيرها من الأماكن. هذه المعاناة مؤسفة للغاية وتسبب الرعب لمجرد سماعها.

ففي الوقت الذي يتعرض فيه أبناء إرتريا لمثل هذه المعاناة، قد نجد من يتساءل ببراءة ماذا تفعل الحكومة الإرترية؟ هذا النظام الديكتاتوري الذي يجلس على رأسه إسياس إفورقي ليس في الحقيقة حكومة إرترية، بل هم عبارة عن مجموعة متآمرة تضمر الكراهية والحقد للإرتريين. وهؤلاء، وبصرف النظر عن أن أصولهم من تجراي، كان يمكنهم أن يصبحوا إرتريين، إلاّ  أنهم ولسبب مجهول اختاروا أن يصبحوا حملة شعار تجراي- تجرينيي بصورة تلحق الضرر بشعبنا.

ربطًا بهذا الموضوع، هناك قضية مؤسفة لا بد من إثارتها. هؤلاء الذين قدموا خدماتهم لإسياس أفورقي لسنوات طويلة في الميدان، وبعدها أيضًا في الحكومة الإرترية، أمثال هيلي ولدتنسائي (درع)، ومحمود شريفو، وإسطيفانوس سيوم، وبيطروس سلمون، وجرمانو ناتي، وأستير فسهاظيون، وبرهاني جرزجيهير وغيرهم، تم زجهم في جحيم سجن “عيرا-عيرو” حيث مات البعض منهم، بينما ينتظر البعض الآخر موته في عذاب. هؤلاء المناضلون لم يرتكبوا جرمًا، وقد تعرضوا لهذه المعاناة لمجرد أنهم دعوا إلى البدء بالعملية الديمقراطية والدعوة إلى الإصلاح. وهناك نقطة هامة لها علاقة بهؤلاء السجناء وغيرهم، وهي أن هؤلاء الذين يسجنون ويتم تصفيتهم بمختلف الأساليب يحدث لهم ذلك لكونهم إرتريين بارزين. وكما علمت من الكثيرين، ليس هناك من بين الأسرى أو من الذين تم تصفيتهم من قبل حكومة إسياس أحد من ذوي الأصول التجراوية، وهذه تعتبر ملاحظة في غاية الأهمية.

وبعد أن حلت هذه الأوضاع التي يطلق عليها الاستقلال، لم تخط إرتريا للأمام فقط، بل تقهقرت عما كانت عليه من أوضاع وسبقتها كل دول الجوار. فحتى إقليم تجراي الذي كان يعتبر متخلفًا بمقاييس العصر، تقدم على إرتريا اليوم بصورة واضحة. فالتطورات التي شهدها إقليم تجراي تبعث حقًّا على السرور، وأبناء الإقليم حققوا نجاحًا باهرًا، لكن السؤال هو لماذا تخلفت إرتريا؟ خاصة وأنها تحكم من قبل أبناء تجراي!! ففي الوقت الذي يحقق فيه إقليم تجراي نجاحات، نرى إرتريا وهي تعاني وتتقهقر، الأمر الذي يدعو إلى الدهشة.

كيف سقطت بلادنا إذًا في زمن الاستقلال في مثل هذا المأزق؟ سؤال يقلق عددًا كبيرًا من الإرتريين.  لكن الإجابة على هذا السؤال واضحة.

سبب وجود مثل هذه الأوضاع هو أن إرتريا لم تستقل عمليًّا وتصبح دولة ذات سيادة، بل كان الاستقلال صوريًّا. فعندما نقول إن بلدًا ما أصبح مستقلًّا يعني ذلك أن استقلاله وسيادته يجب أن يكونا مستمرين. أما إرتريا، وكما ذكرت سابقًا، تبقى وبعد سقوط “الدرغ” لبعض الوقت مستقلة ومنفصلة، وبعدها، وحسب البرنامج الموضوع، تدب فيها الانقسامات وبالتالي فإن الاستقلال والسيادة اللذين جاءا للبقاء لبعض الوقت، ثم لتتبعثر بعدها إرتريا إلى أشلاء لا يعد استقلالاً. عليه وفقًا لهذا البرنامج إرتريا الحالية ليست دولة مستقلة ذات سيادة، بل هي في مرحلة انتقالية. ومثل الفترة “الفيدرالية” التي كانت مرحلة انتقالية لضم إرتريا قسرًا، فإن “الاستقلال” الراهن أيضًا يعتبر مرحلة انتقالية تمهد لتقسيم بلادنا وإنشاء دولة تجراي- تجرينيي.

ما نراه من أوضاع راهنة يجعل إرتريا وطنًا فاقدًا لمعناه، ويضعف الهوية الوطنية الإرترية، ويفرِّغ البلاد من شبابها، ويجعلها غير قادرة على مواجهة تحديات المستقبل، ويجبر الإرتريين وخاصة الشباب أن ينظروا إلى إقليم تجراي الذي يشهد حاليًّا نموًّا بعين الدهشة والإعجاب. وباختصار، يمهد هذا البرنامج الإرتريين، وخاصة الناطقين منهم باللغة التجرينية، من الناحيتين النفسية والعقلية، لقبول مشروع تجراي – تجرينيي.

والمنطق الذي يقوم عليه مشروع تجراي- تجرينيي هو جعل إرتريا وطنًا لا يفخر به أبناؤه بل يكرهونه. وعندما تتردى الأوضاع في إرتريا إلى هذه الدرجة من السوء، يصل شعبنا إلى درجة القول “انظروا إلى تجراي، ها هي قد حققت درجة عالية من النمو، وبالتالي من الأفضل لنا الانضمام إليها”، وذلك وفق محاولات مثيري مشروع تجراي – تجرينيي وتوقعاتهم.

وفي الجنوب- في الجانب الإثيوبي- هناك أيضًا تحضيرات جرت وما زالت تجري أشبه بمشروع تجراي – تجرينيي. وأهم ما في هذه التحضيرات هو ذلك المفهوم الإشكالي الداعي إلى حق تقرير المصير حتى الانفصال. فحكومة الجبهة الثورية للشعوب الإثيوبية التي تهيمن عليها الثورة الشعبية لتحرير تجراي قامت بتثبيت حق تقرير المصير حتى الانفصال في الدستور الإثيوبي. وبموجب المادة 39 من الدستور الإثيوبي تجراي لها الحق في الانفصال. هذا الحق –حسب المراقبين- يشكل بالنسبة لتجراي، وخاصة لوياني تجراي، أو على الأقل لجناح منها، الخيار النهائي الذي تحتفظ به في الخفاء.

والثورة الشعبية لتحرير تجراي “الوياني” ما زالت تسعى لإبقاء إشكالية حق القوميات حتى الانفصال لفترة طويلة ممكنة. والتنظيمات الإرترية التي تؤمن بوجود علاقة متميزة بينها وبين الوياني، وهي تنظيمات كثيرة العدد لكنها قليلة الحجم، وتأتمر بأوامر الوياني، جعلت من مفهوم حق القوميات حتى الانفصال علامة فارقة في مواقفها.

وهذه اللغة الداعية إلى حق القوميات حتى الانفصال تخدم بصورة مباشرة مشروع تجراي- تجرينيي. فعندما تعلن بعض المجموعات القومية أو جزء منها عن رغبتها في الانفصال يكون في مقدور الناطقين بالتجرينية في الهضبة الإرترية أيضًا الالتحاق بتجراي وتحقيق حلم تجراي- تجرينيي. 

أنا أؤمن بالمساواة بين المكونات القومية الإرترية، كما أؤمن بحقها في تقرير مصيرها، ولكن عندما أقول ذلك أعني وجود إمكانية تحقيق هذه المساواة في ظل إرتريا واحدة وموحدة. والعمل من أجل زرع الشقاق في إرتريا باسم حق تقرير المصير ليس إلا مجرد خيانة وطنية.

وكما تمت الإشارة إليه سابقًا، فالتحدي القائم اليوم يتعلق بوجود إرتريا أو عدم وجودها. ومن أجل استمرار إرتريا كوطن لا بد لكل إرتري من أن يساهم بما في استطاعته في النضال من أجل تحريرها، والشكل المناسب لتنظيم هذا النضال هو العمل في إطار جبهة من أجل الوطن الأم.

-5-

فمفهوم الوطن الأم يعني في الفهم الشائع أو حرفيًّا البلد أو المحيط الذي كان يعيش فيه الآباء وقبلهم الأجداد، ولكن في العلوم السياسية أصبح لمحتوى الوطن الأم معنى أعمق. ولا يشير المعنى إلى مكان أو وطن معين، بل يشير ذلك إلى شعب يتميز بمضمون “سياسي وثقافي واجتماعي” يميزه عن غيره. أما بالنسبة للمفهوم في شكله المتطور أو الأكثر تطورًا يعني وجود مجتمع يعيش في حيز جغرافي محدد ويتحدث بلغة واحدة، ويتميز بثقافة وقيم أساسية موحدة.

وكما يقول المفكر جوزيبي مازيني، وهو أحد المنظرين الذين ناضلوا من أجل قيام إيطاليا، لتوضيح هذه الفكرة ما يلي:

“لا يعني الوطن الأم حيزًا مكانيًّا فقط، فالحيز المكاني يعتبر مجرد أساس، ومفهوم الوطن الأم هو عبارة عن فكرة مبنية على ذلك الأساس، وهي فكرة حب تجمع بين أبناء ذلك الحيز المكاني، وتوحدهم معنويًّا”.

وفي التاريخ، وعند الحديث عن مفهوم الوطن الأم، كان وما يزال يشير إلى دلالات مختلفة ومتطورة باستمرار. فمثلاً في أوروبّا، وقبل عدة قرون، وفي العهد الإقطاعي، كان يحظى مفهوم الوطن الأم بدلالة قاصرة، وكان يعني الإقليم أو المحافظة، أو الوحدة الإدارية، أو المنطقة أو غيرها  من الأمكنة، إلاّ أنه وبمرور الوقت وعند دخول أوروبّا في النظام الاقتصادي الرأسمالي وتم التواصل بين أجزاء الوطن المختلفة نتيجة الاتصالات الاجتماعية- الاقتصادية، أصبح مفهوم الوطن الأم يشير إلى الرقعة الكاملة للبلاد من النواحي السياسية والثقافية والاجتماعية.

وتختلف دول العالم الثالث في تكويناتها ودرجة تطورها عن أوروبّا والدول الأخرى المتقدمة. ومعظم هذه التكوينات الاجتماعية لم تتطور تاريخيًّا إلى كيانات نتيجة عمليات تطور داخلي، بل نشأت نتيجة خضوعها لهيمنة قوى أجنبية. وبصرف النظر عن طرق تكونها ودرجات تطورها فقد أصبحت هذه الدول أوطانًا لشعوبها. وبحكم النضال والمقاومة الوطنية التي شهدتها تلك الدول ضد الاستعمار الأجنبي والتي تم الاعتراف بها باعتبارها عادلة ومشروعة للدفاع عن الوطن الأم، فقد حظيت بدعم قوى التقدم والسلام.

هناك نقطة ذات صلة بهذا الموضوع ينبغي توضيحها. حتى الحكومات الغازية والظالمة ترفع شعار الدفاع عن الوطن الأم لتبرير استغلالها وأهدافها المناهضة للسلام. لكن هذه الحروب ليست جبهات دفاع حقيقية عن الوطن الأم. فمثل هذه الشعارات الكاذبة ليست نابعة عن حب حقيقي للأوطان، بل تخدم مصالح فئات قليلة جشعة ومستغِلة. ويصبح شعار الدفاع عن الوطن الأم عادلاً ومقبولاً عندما يكون هدفه الدفاع عن الذات، وممارسة الحقوق بصورة لا تضر بمصالح الآخرين.

السؤال: هل تعتبر إرتريا الوطن الأم لمواطنيها؟ أو بصيغة أخرى ما هو الوطن الأم بالنسبة للإرتريين؟ تمت مناقشة هذه القضية في الأربعينيات من القرن الماضي بكثافة والسبب الرئيسي لذلك كانت سياسة تجراي- تجرينيي التي كان يطرحها حزب إرتريا للإرتريين. وكما أوضحنا سابقًا، فإن أعضاء ذلك الحزب، وعندما أطلقوا شعار إرتريا للإرتريين، وخاصة في المراحل الأولى من تاريخ الحزب، كانوا يعنون بذلك تجراي – تجرينيي (المنطقة المعروفة بحدود ما وراء النهر). وبالتالي، كانوا يقصدون عمليًّا أن وطنهم الأم هو تجراي- تجرينيي.

واليوم، وعندما يرفع الإرتري المتحدث باللغة التجرينية شعار الوطن الأم ماذا أو أي وطن يعني؟ والتجراويون (أبناء تجراي) ماذا يقصدون بالوطن الأم؟

لا يوجد مفهوم موحد بالنسبة للوطن الأم في أوساط الناطقين باللغة التجرينية من الإرتريين. فمثلاً هناك فروق واضحة بين عامة الشعب من أبناء الهضبة الإرترية وبين الناشطين السياسيين. فمشاعر وأفكار العامة من أبناء الهضبة الإرترية بخصوص الهوية يرتكز على التاريخ، والثقافة والعلاقات القديمة. وربطًا بهذا الموضوع هناك نقطة لا بد من توضيحها وهي أن شعب الهضبة الإرترية وأبناء تجراي كانت علاقاتهم وتواصلهم مستمرًّا كما كان في السابق حتى في الفترة التي خضعت فيها إرتريا للاستعمار الإيطالي.

وكان الباحث ألم- سجّد تسفاي قد أجرى استطلاعًا لآراء العامة من أبناء الهضبة الإرترية عن فهمهم لوطنهم الأم. وكانت نسبة 21% فقط هم الذين أكدوا على أن إرتريا هي وطنهم الأم. وكانت الغالبية (53%) منهم يشيرون إلى وطنهم الأم على أنه قريتهم، أو المنطقة التي ولد فيها آباؤهم وأجدادهم. ونسبة قليلة جدًّا منهم أكدوا على أن وطنهم الأم هي تجراي – تجرينيي أو تجراي.

وماذا عن العامة من أبناء تجراي؟ ودون أن نقول الأغلبية، إلاّ أن نسبة كبيرة منهم (39%) أشاروا إلى قراهم أو المنطقة المحددة التي ولدوا فيها. إلاّ أن نسبة 25% منهم تقريبًا أشاروا إلى تجراي باعتبارها وطنهم الأم.

تم الفصل بين الإرتريين والتجراويين لمدة 62 عامًا بسبب وجود المستعمر الإيطالي. ونسبة لهذا الفصل، هناك اختلافات فيما بينهم في الإجابة على السؤال المتعلق بالعدو التاريخي لكل منهما. فالإرتريون خضعوا لمدة 62 عامًا لاستعباد الاستعمار الإيطالي، أما التجراويين، وبعد انتزاع سلطة الملك يوحنّا (يوهنس) من قبل الأمحرا وإقليم شوا، أصبحوا خاضعين لسلطة الأمحرا. وكانت كراهية الإرتريين متجهة إلى الإيطاليين وغيرهم من الأجانب الذين كانوا يأتون من وراء البحار. أما التجراويون كانت كراهيتهم موجهة إلى الأمحرا، وخاصة أبناء إقليم شوا، الذين أصبحوا يبغضونهم.

فقد تباينت إجابات الإرتريين والتجراويين عن ماهية العدو التاريخي لكل منهما، بسبب العوامل التاريخية على ما يبدو. فالعوام من الإرتريين في غالبيتهم (86%) يعتبرون أعداءهم التاريخيين بالترتيب الأتراك، وبعدهم المصريين، والإيطاليين، والبريطانيين. وفي النهاية يذكرون نظامي هيلي-سلاسي والدرغ. أمَّا بالنسبة للتجراويين فعند السؤال عن أعدائهم التاريخيين، فالغالبية منهم (82%)  أجابوا “الأمحرا”، وخاصة سكان إقليم شوا من الأمحرا. قليلون منهم، (أي نسبة 10,7% فقط) أضافوا الأتراك والإيطاليين في قائمة أعدائهم التاريخيين.

أما النخب الإرترية والتجراوية (أي الناشطين السياسيين منهم) كانت إجاباتهم عما يقصدونه بوطنهم الأم متباينة. وهذا التباين هام للغاية. كيف كانت إذًا إجاباتهم على هذا السؤال؟ لنبدأ بالإرتريين، فالنخب الإرترية كانت إجابتها عن المقصود بالوطن الأم متباينة قليلاً. فنسبة قليلة منهم  (أي 26%) أجابوا أن وطنهم الأم هو المكان الذي ولدوا فيه هم أو آباؤهم. والغالبية منهم (أي نسبة 71,4%) أجابوا بأن إرتريا هي وطنهم الأم. فمثلاً السفير أدحنوم جبرماريام ذكر الآتي:

“كل من شارك في النضال (التحرري) فهو أخي. فمحمد عثمان (وهو أحد المناضلين) هو أخي. وبالنسبة لكلينا، عندما نسمع كلمة الوطن الأم، ما يخطر على بالنا هي إرتريا”.

ولا يوجد أي من الناشطين السياسيين من ذكر تجراي–تجرينيي” كوطن أم له.

وعندما يقول الإرتريون إن إرتريا هي وطنهم الأم، فهم مدركون لحقيقة أن إرتريا لم تكن وطنهم الأم لمدة طويلة، ومتفقون على أن المشاعر الوطنية الإرترية ظهرت مع بداية الاستعمار الايطالي للبلاد، أي في نهاية القرن التاسع عشر، وهذا معناه، كما سأوضح لاحقًا، أن المشاعر الوطنية الإرترية ما زالت في طور النمو.

أما النخب التجراوية (وخاصة الناشطين السياسيين منهم) وفي إجاباتهم عن ماهية الوطن الأم بالنسبة لهم في الوقت الراهن، كانوا مختلفين روحًا وفكرًا وبصورة كبيرة عن تلك الإجابات التي ذكرتها غالبية السياسيين الإرتريين. من بين هؤلاء التجراويين أشارت نسبة 7.3% فقط إلى إثيوبيا باعتبارها وطنهم الأم. فمعظم الذين أجابوا على هذا السؤال من السياسيين التجراويين ذكروا أن وطنهم الأم هي تجراي، ولم يقولوا إثيوبيا. فالسيد سبهات نجّا وفي إجابته على هذا السؤال “بعد شيء من التروي والتردد” أوضح بأنه عندما يسمع كلمة الوطن الأم، فإن أول ما يخطر على باله هي “تجراي”. وكذلك الأمر بالنسبة للسيد ظجّاي برهي، الذي كان قبل فترة قريبة مضت رئيسًا لإقليم تجراي، وهو الآن عضو اللجنة التنفيذية لتنظيم “الوياني”، أجاب دون تردد بأن وطنه الأم هو “تجراي”، ولم يقل إثيوبيا. إلاّ أنه غطى إجابته بغطاء إثيوبي خفيف قائلاً “من خلال انتمائي إلى تجراي أكون إثيوبيًّا”.

هذه التصريحات القائلة بأن وطننا الأم هو تجراي (وليست إثيوبيا) مدعاة للتفكير، خاصة وأنها صدرت عن قيادات بارزة في “الوياني”. (فمثلاً بالنسبة لنا نحن الإرتريين لو أقدم عنصر قيادي في التنظيمات السياسية الإرترية بالقول إن وطنه الأم هي أرض بركا، أو البلين، أو الكوناما، أو إحدى محافظات المرتفعات الإرترية، أعني حماسين أو أكلي غوزاي، أعتقد أن ذلك يسبب حرجًا كبيرًا في الأوساط الإرترية!!!). ففي التاريخ الإثيوبي عندما كان الملوك يقولون “الوطن الأم”  كانت الفكرة تهدف إلى تعزيز الهوية الإثيوبية وكانوا ينادون بشعار “إنّات أجر –  الوطن الأم”. فمثلاً الملك يوحنّا “يوهنّس” رغم أنه من مواليد “تمبين” في إقليم تجراي، إلاّ أنه كان يقصد إثيوبيا عندما كان يقول “الوطن الأم”. وهناك مقولة ذات دلالة عميقة قالها هذا الملك توضح الأمر، وأشار إليها الكثير من المؤرخين. ففي عام 1887، وعندما كان متجهًا إلى “سحاطي” لمواجهة الإيطاليين، قال للضباط والجنود “إنني مستعد تمامًا للتضحية من أجل أمي، من أجل إثيوبيا”، كما أعلن حينها الإعلان التالي:

“يا أبناء إثيوبيا، تمعنوا جيدًا، فإثيوبيا هي أمكم أولاً، وتاجكم ثانيًا، وهي مثل زوجاتكم ثالثًا، وأبناؤكم رابعًا، ومدافنكم خامسًا، لذا عليكم النهوض لها انطلاقًا من محبة الأم، وعزة التاج، ومودة الزوجة، وسعادة الأبناء، ودفء المثوى”.

ويتضح أن مفهوم الوطن الأم كان يعني إثيوبيا بالنسبة للملك يوحنّا. وبالتالي، عندما تقول عناصر قيادية بارزة من إقليم تجراي اليوم إن وطنهم الأم هو تجراي، يثير ذلك تساؤلًا مفاده ماذا يعني ذلك أو ما هي أهميته بالنسبة لمستقبل إثيوبيا كوطن؟ وماذا يعني ذلك بالنسبة لإرتريا أيضًا؟ واضعين جانبًا مثل هذه الأسئلة، علينا أن نولي اهتمامنا لمدى قوة ونوعية المشاعر الوطنية الإرترية.

-6-

لو نظرنا إلى الهوية الوطنية الإرترية من الناحية التاريخية، نجد أنها ليست موغلة في القدم، بل هي حديثة نسبيًّا. وقد بدأت مشاعر الانتماء للهوية الوطنية الإرترية بالنمو لدى قطاع واسع من الشعب الإرتري بالترابط مع مسيرة الكفاح المسلح والتضحيات والآلام والتواصل الذي تم حينها بين المكونات الاجتماعية الإرترية. فمثلًا أحد الآباء الإرتريين عندما وجه إليه سؤال عن وطنه الأم قال “إرتريا، إرتريا هي وطني الأم، ناضل اثنان من أبنائي من أجل إرتريا، بل استشهدوا من أجلها”.

لذا، فإن إرتريا تعتبر الوطن الأم من حيث المبدإ فقط، ما يعني أن هذا المفهوم بحاجة لأن يزدهر وينضح ويتعزز. بمعنى آخر إن إرتريا كوطن أم ما تزال في طور التكوين، وأنها عبارة عن مشروع بحاجة إلى الاكتمال.

فمفهوم الوطن الأم تجتمع فيه روح وطبيعة تضافر عدد من العوامل التي تجسدها الأمثال، والرموز، والأساطير، والمقولات. وبحكم أن إرتريا ما تزال في بداياتها التكوينية كوطن أم، فإنها لا تمتلك العوامل التي تم ذكرها بصورة كافية. لذا، فإن وجود إرتريا كوطن أم بحاجة إلى المزيد من الرعاية والعناية والاهتمام، وفي كافة المجالات، أي في النشاطات الثقافية، والتنمية الاقتصادية، وفي العمل الإعلامي، ومن خلال تمتين علاقات الإخاء بين المكونات الاجتماعية للبلاد، ووضع مناهج تعليمية تتميز بالجودة والمصداقية، وتنفيذ سياسات تعزز وتقوي مفهوم إرتريا كوطن أم بالارتكاز على دراسات دقيقة. يجب تربية الناشئة على المفاهيم الوطنية الإرترية. كما يجب السماح للكتاب والفنانين، كل في مجاله الإبداعي، أن يساهموا في خلق المفاهيم التي تعزز وتقوي المشاعر الوطنية الإرترية.

ويلعب فهم التاريخ الإرتري بشكل صحيح دورًا مركزيًّا في تنمية وتعزيز المشاعر الوطنية الإرترية. ويعتبر فهمنا للتاريخ الوطني الإرتري أحد إشكالاتنا الكبيرة. وقد ساهم إسياس وأتباعه ومبعوثوه منذ مدة طويلة في نشر الأكاذيب التاريخية المضللة باستمرار، والمتعلقة بالتاريخ القديم والحديث لبلادنا، وذلك في أوساط مقاتلي وأعضاء تنظيمهم، وفي أوساط شعبنا وشعوب العالم. وبعد أن قاموا بغسل دماغ الجنود والأعضاء بوقائع تاريخية مضللة، أصبح هؤلاء جنود أوفياء في المعركة ضد الوحدة الوطنية، وأصبحوا دون وعي منهم أدوات لمجموعة إسياس في مشروعهم لهدم البنية الأساسية لإرتريا وبناء تجراي –تجرينيي.

وبالتالي، يحتاج شعبنا إلى الكثير من الجهود للوصول إلى فهم صحيح لتاريخه. وهذه المهمة معقدة للغاية. والسبب في هذا التعقيد هو أن المهمة لا تقتصر على إدراك شعبنا، وخاصة الشباب منهم، لتاريخه بشكل صحيح، بل يحتاج الأمر في البداية إلى محو آثار الفهم التاريخي المضلل الذي يعتقدون بأنه هو التاريخ الصحيح. يجب العمل على إقناع الشباب بأن الفهم التاريخي السائد في أوساطهم هو خاطئ ومضلل.

حسب اعتقادي، هناك البعض منا من يخشى من أن يكون لديه معرفة صحيحة لتاريخه. ونخشى من أن هذه المعرفة الصحيحة لتاريخنا والإيمان به سوف يعرِّض استقلال إرتريا وسيادتها للخطر. ويعتبر مثل هذا التخوف نوع من السذاجة. فتاريخنا مرتبط بتاريخ جميع الدول المجاورة لنا. والإيمان بمثل هذه الحقيقة لا يتناقض مع استقلال إرتريا وسيادتها.

فشعبنا في المنخفضات الغربية مثلاً يرتبط تاريخيًّا بالمجتمعات المتواجدة في شرق ووسط السودان، بل يمكن القول إن تاريخهم واحد. أما شعب الهضبة الإرترية فله تاريخ مشترك مع المجتمعات التي تقطن شمال إثيوبيا. ويمكن القول إنه وحتى مرحلة دخول الاستعمار الإيطالي إلى إرتريا كان تاريخه موحدًا.

فالتاريخ ليس بالأمر اليسير، وهو ليس عبارة عن حكايات تسرد لأحداث تاريخية جرت هنا أو هناك. والتاريخ لا يؤثر فقط على مسيرة شعب ما، بل يؤثر أيضًا على تشكله، ويوجه بنيته الحضارية، ويحتضن مشاعر الهوية، والدين، والثقافة، واللغة، والأساطير، والقيم وغيرها من المكونات، لتنتقل بشكل حيوي من جيل إلى آخر في شكل تراث. وعندما ينكر أي شعب من الشعوب تاريخه الحقيقي، يصبح من الطبيعي أن يصاب باختلال في الهوية، وارتباك ثقافي، وتصبح علاقاته بالمجتمعات الشقيقة في الدول المجاورة له مبينة على تقديرات خاطئة وهدَّامة.

وفيما يتعلق بالتاريخ، هناك نقطة في غاية الأهمية علينا نحن الإرتريين أن نعيها. فتاريخ شرق السودان ووسطه هو جزء من تاريخنا بسبب العلاقات التي يتمتع بها إخواننا في قبائل البني عامر وغيرها من قبائل المنخفضات الغربية بهذا الإقليم. وتاريخ إثيوبيا هو أيضًا جزء من تاريخنا عن طريق شعب الهضبة المتحدث باللغة التجرينية من مجتمعنا على أقل تقدير. هذا التاريخ لا يتطلب منا معرفته فقط، بل يجب علينا أن نقبل به ونعتبره جزءًا من تاريخنا، بحكم أنه شكل ما لدينا الآن من أديان، وثقافات، وأساطير، وقيم، وقوانين وأعراف وتطبيقاتها، وساهم بالتالي في تشكيل هويتنا الوطنية. وهناك أهمية قصوى لمعرفة تاريخنا، والتعرف على الجوانب الخاطئة والسالبة فيه لنحذر منها، وأن نحترم ونفخر بالجوانب الإيجابية والبناءة فيه ونطورها. وعندما نقوم بذلك فقط يمكننا عكس المشاعر الوطنية الصادقة في سلوكنا وأهدافنا ورؤانا بصورة عملية.

-7-

كما ذكرت سابقًا شكلت حركة تجراي – تجرييني تحديًا أمام تشكل إرتريا كوطن أم لمكوناتها. فلو تم توحيد تجراي وإرتريا في كيان واحد، كما كان يرجى في ذلك الوقت، كان ذلك سيؤدي حتمًا إلى تقسيم إرتريا التي يتساوى فيها المسلمون والمسيحيون من حيث العدد. لماذا؟  في دولة تجراي-تجرينيي كان المسيحيون سيشكلون الأغلبية الساحقة، والمسلون أقلية ضئيلة، وبالتالي كان ذلك سيكون مخلًّا بالتوازن السكاني للبلاد. وبالتالي كان شعبنا في المنخفضات الغربية سيضطر إلى إنشاء حركة تطالب بالانضمام إلى  السودان هربًا من الهيمنة. وهذا ما كان عليه المخطط البريطاني.

ومهما كان السبب فمشروع تجراي–تجرينيي لم يكتب له النجاح. وقبل جيل الآباء بالحل الفيدرالي كحل وسط خشية تقسيم إرتريا، مؤكدين بذلك على وحدة الكيان الإرتري. لذا، يمكن القول إن الحل الفيدرالي ساهم في استمرارية مفهوم الوطن الأم في إرتريا.

واليوم أيضًا هناك مفهوم خطير يشكل تحديًا أمام إرتريا كوطن أم، وهو المفهوم الذي ذكرته سابقًا والداعي إلى حق القوميات في تقرير مصيرها حتى الانفصال. هذه الفكرة سوف تتفق في نهاية المطاف مع المفاهيم التي طرحها كل من سبهات نجّا وظجّاي برهي. وكما أكد هذان العنصران القياديان في الوياني على أن وطنهما الأم هو تجراي (وليس إثيوبيا)، فكذلك المدافعون عن الحقوق القومية سيقولون لنا إن وطنهم الأم ليست إرتريا، بل بالإشارة إلى أحد مكوناتنا (مثلاً الكوناما، أو البلين، أو التجري أو بذكر إقليم من أقاليم الهضبة  أكلي- غوزاي أو حماسين). هذه المواقف تشكل تحديًا صعبًا لمفهوم الوطن الأم.

أما الدفاع عن تكامل التراب الإرتري كوطن أم نتيجة التركة الاستعمارية لا يهدف إلى إنكار وجود علاقة بتجراي، ولا ينبغي أن يأخذ الأمر هذا التفسير. وأرى أهمية قصوى للتأكيد على هذه النقطة. فحتى لو كانت كل من إرتريا وإثيوبيا دولتين مستقلتين تتمتعان بالسيادة، فليست هناك أية موانع تحول دون تطوير وتحسين العلاقات بين البلدين وفي كافة المجالات. أما إرتريا وتجراي على وجه الخصوص هناك أولوية لتحسين العلاقات بينهما بحكم علاقات الجوار المباشر بينهما. وهناك علاقات تصاهر وتداخل بين المجموعات الساكنة في المناطق الحدودية المتقاربة في كل من تجراي وإرتريا لزمن طويل، بل يمكن القول إن الشريط الحدودي المرسوم على الخارطة لا وجود له عمليًّا بالنسبة لهذه المجموعات، ولا يمكن رؤيته. لذا، ليس هناك أي مانع يحول دون استمرار العلاقة كما كانت مع أبناء تجراي.

وبالنسبة لرأيي المتعلق بحق القوميات ووحدة التراب الإرتري، أحب أن أذكر إخوتنا الإثيوبيين في تجراي أن يتقبلوا هذا الرأي وهم مدركون للمعنى الذي يضيفه لهم في ظل روح الصداقة والسلام.

وبعد أن قمت باختصار بمقاربة المشاكل المستعصية والتحديات الصعبة التي تواجه إرتريا باعتبارها الوطن الأم لمكوناتها، ها أنذا أنهي رسالتي حول هذا الموضوع بحديث يتضمن توصيات.

كما أشرت في مقدمتي تعيش إثيوبيا اليوم في مرحلة ما بعد ملّس زيناوي. وتعتبر وفاة شخص كان له دور بارز ومؤثر في قيادة بلاده صفحة جديدة في تاريخ البلاد. ويصبح هذا الموضوع ذا أهمية نسبة للنتائج المترتبة عليه أو التي يمكن أن تترتب عليه.

كان للثورة الشعبية لتحرير تجراي (الوياني) تأثير كبير في القضية الإرترية، سواء أكان في فترة الكفاح المسلح وحتى يومنا هذا. وبالنسبة لاستراتيجيتهم وأساليبهم في التعامل مع الديكتاتور إسياس ونظامه السيء، بقيادة ملس زيناوي، يمكن القول إن النظام استفاد من هذه السياسات أكثر من ضرره منها. أما بالنسبة للشعب الإرتري حدث العكس تمامًا، فقد لحق به ضرر كبير من هذه السياسات التي ساهمت في تحويل بلادنا إلى جحيم.

وبالنسبة للسيد ملس كشخص، يتفق معظم المراقبين في قدراته القيادية التي تثير الإعجاب. وأنا شخصيًّا أحد المعجبين بشدة بقدراته القيادية. أما بالنسبة لسياساته تجاه إرتريا لم أكن مشيدًا بها في السابق، ولا أشيد بها الآن أيضًا. كان للراحل ملس قبل وقت قصير من وفاته برنامجًا لإجراء تغييرات سياسية في إرتريا، وكان يعتزم على تطبيق البرنامج، بل شرع في تطبيقه – طبقًا لبعض المصادر. ولو كانت التكهنات حول التغييرات السياسية التي كان يعتزم على تطبيقها صحيحة، من الصعب الآن التأكد من مقدار تأثيرها على القضايا المطروحة في هذه الورقة، على الأقل في المرحلة الراهنة.

ومهما كان الأمر، هناك مستجدات قد طرأت في هذه المرحلة، هذه المستجدات تتيح لقيادة “الوياني” فرصة لأن يجروا تغييرات في سلوكهم. فبعد أن يُقيِّموا دون حرج سياساتهم السابقة، عليهم أن يبحثوا بتجرد في الدور الذي لعبوه لإيقاع الشعب الإرتري في هذا المأزق التي يعاني منها اليوم. وانطلاقًا من ذلك، أوصيهم بأن يجروا الإصلاحات الضرورية في سياساتهم تضمن للشعب الإرتري الحفاظ على وحدته وسيادته كوطن أم لمختلف مكوناته، ولتتعزز وتنمو علاقات حسن الجوار بين إرتريا وإثيوبيا.

 

 

 

 

المراجع (Bibliography)

Alemseged Abbay, Identity Jilted or Re-Imagining Ide?, (Lawrenceville, NJ: The Red Sea Press, 1998)

 

Alemseged Abbay, “The Trans-Mereb Past in the Present”, The Journal of Contemporary African Studies, vol. 35, No. 2, (1997)

 

Amare Tekle, “The Creation of the Ethio-Eritrean Federation: A Case Study in the Post War International Relations (1945-1950),” PhD dissertation, University of Denver, 1964.

 

Haggai Erlich, “Tigrean Nationalism, British Involvement and Haile-Sellasse’s Emerging Absolutism – Northern Ethiopia, 1941-1943”, Asian and African Studies, Vol. 15 (1982)

 

Richard Greenfield, “Pre-colonial and Colonial History”, in Basil Davidson, Lionel Cliffe, and

 

Bereket Habte Selassie, Behind the War in Eritrea, (Notingham: The Spokesman Press 1980)

 

Rene Lefort, Ethiopia: An Heretical Revolution? (London: Zed Press, 1983)

 

Medhane Tadesse, The Eritrean-Ethiopian war: Retrospect and Prospects, (Addis Ababa: Mega Printing Enterprise, 1999)

 

John Spencer, Ethiopia, The Horn of Africa and US Policy (Cambridge, Mass.: Institute for Foreign Policy Analysis, 1977)

 

Tekeste Negash, Italian Colonialism in Eritrea, 1882-1941: Policies, Praxis and Impact, (Uppsala: Acta Universitatis Upsaliens, 1987)

 

US Congress, Sub Committee on African Affairs, Ethiopia and the Horn of Africa, Hearings, 94th Congress, 2nd Session, Aug. 4, 5, and 6, 1976.(Washington, D. C.)

 

Maurizio Viroli, Republicanism, (New York: Hill and Wang, 1999)

 

ኣለምሰገድ ተስፋይ፤ ኣይንፈላለ 1941-1950 (ኣስመራ፤ ሕድሪ፡ 2001)

 

ረድI መሓሪ፤ ትልሚ ንዘርI ክርዳድ፤ (ኪቸነር፡ Oንታርዮ፤ ኣለና፡ 2012)

 

ተክለ ጻድቅ መኩርያ፤ Aፄ ዮሃንስ Eና የIትዮጵያ ኣንድነት (ኣዲሰ-Aበባ፤ ኩራዝ ኣሳታሚ ድርጅት፡ 1982)

__________________________________

Copyright © 2012 by Tesfatsion Medhanie.

حقوق المؤلف © 2012 تسفاظيون مدهاني