أثيوبيا من بشائر السلام إلى نذر حرب أهلية تهدد الأمن والاستقرار في منطقة القرن الإفريقي

بقلم حسن اسد

في صيف 2018 تم توقيع اتفاق سلام بين اسمرا وأديس أبابا، ذلك الاتفاق الذي أنهى حالة اللاحرب واللاسلم بين اريتريا وإثيوبيا، وأدى إلى تفاؤل إقليمي ودولي بمستقبل الأمن والاستقرار في منطقة القرن الإفريقي. إلا انه في ضوء التطورات السياسية والأمنية التي تشهدها إثيوبيا، يبدو أن ما سمي باتفاق السلام أعاد إنتاج أزمة سياسية عميقة في الداخل الإثيوبي، وأخذت تداعياتها تتسع وتنذر بتفجر حرب حدودية بين إثيوبيا والسودان، حيث أخفقت حتى ألان جهود التوصل إلى حل سلمي بخصوص النزاع الحدودي بين البلدين. ويشهد الحدود بينهما حشود عسكرية كبيرة متقابلة ووقوع صدامات بين هذه القوات. تأتي هذه التطورات في ظل تصاعد الخلافات أيضا بين إثيوبيا من جانب ومصر والسودان من الجانب الأخر حول ملئ سد النهضة.
تقدم د. أبي احمد رئيس الوزراء الإثيوبي بمبادرته للسلام بين اريتريا وإثيوبيا في ظل أزمة سياسية عميقة في إثيوبيا تفاقمت بعد انتقال السلطة إليه في ابريل 2018 في أعقاب استقالة سلفه هيلي ماريام ديسالين على وقع أحداث دامية بين حكومته وحركات احتجاجية عرقية اجتاحت إثيوبية منذ عام 2015. والى جانب مبادرته السلمية لحل النزاع الحدودي مع اريتريا رفع أبي احمد شعارات إصلاحية في الداخل الإثيوبي أبهرت المجتمع الدولي الذي كان قلقا على مستقبل الأمن في المنطقة من جراء النزاعات العرقية داخل إثيوبيا ونزاعها الحدودي مع اريتريا. وفي سياق تشجيع المجتمع الدولي لما طرحه أبي احمد من إصلاحات على الصعيد الداخلي وتعهده ببناء سلام دائم مع اريتريا، رشح أبي احمد لجائزة نوبل للسلام وفاز بها في 2019.
ويبدوان أبي احمد الذي أراد السلام مع اريتريا، لم يكن السلام في الداخل الإثيوبي ضمن أجندته، بقدر ما كان سعيه إلى إقامة علاقات إستراتيجية مع رئيس النظام الاريتري وإشراكه في معركته لتصفية الحسابات مع خصومه المحليين وعلى رأسهم الجبهة الشعبية لتحرير تقراي. وافورقي الذي حررته اتفاقية السلام المزعوم من قيود العزلة الدولية على نظامه لم تكن من أولوياته استعادة منطقة بادمي التي كانت تحتلها إثيوبيا، بل كان هدفه إلحاق الهزيمة بالجبهة الشعبية لتحرير تقراي بالمشاركة في الحرب التي شنها رئيس الوزراء الإثيوبي أبي احمد ضد إقليم تقراي. ولا اعتقد أن تدخل اسياس في الحرب ضد إقليم تقراي بدافع الغبينة فحسب، بل أيضا من اجل تنفيذ مخطط خبيث يضمره اسياس افورقي ينطوي على التفريط في السيادة الوطنية الاريترية.
نذكر جميعا بان اسياس عبر عن ابتهاجه بالاتفاقية بعبارات الشماتة على حلفائه السابقين ( ويني تقراي) وحرض حليفه الجديد أبي احمد على إزاحة الويني من المشهد السياسي الإثيوبي، وحفزه على ذلك بتفويضه بقيادة السياسة الخارجية الاريترية في تماهي واضح مع شعار (ندمر) تعني بالامهرية (لم الشمل) الذي رفعه أبي احمد. وقد برزت شكوك كبيرة في الأوساط الاريترية بان اسياس لديه أجندة خفية تصاغ في الخفاء مع أبي احمد خلال بانوراما الزيارات المتبادلة بين الرجلين والتي لا يصدر عنها أي بيان صحفي عن ما دار بينهما، ولعل تدخل النظام الاريتري في حرب تقراي هو من أهم المؤشرات التي تدلل على وجود الأجندة الخفية التي ينفذها الرجلان بشكل متدرج لإنفاذ مشروع (ندمر) ويعيد إلى الأذهان مشروع (اندنت) الذي كان مقدمتا لضم اريتريا إلى إثيوبيا، (اندفنت) وتعني الوحدة باللغة بالامهرية أيضا.
على الرغم من أن حكومة أبي احمد تواجه تحديات داخلية كبيرة تتصل بتفاقم النزعات العرقية التي تطالب باستحقاقات سياسية واقتصادية في بلد تجاوز عدد سكانه المائة مليون نسمة وياستأسد فيه الفقر، لجاء إلى خيار القبضة الحديدية وأساليب القمع القاسية في مواجهة الرموز السياسية المعارضة لسياساته وإدارته للبلاد، في مرحلة أحوج ما تكون فيه إثيوبيا إلى إدارة حوار وطني جامع يؤسس لتوافق الفرقاء على بناء السلام الاجتماعي لخوض معركة التنمية في إثيوبيا في ظل وحدة وطنية. ومن الواضح أن أبي احمد تخلى عن شعارات الإصلاح التي كان قد رفعها في 2018 واستعار من افورقي نهج إرهاب الدولة في مواجهة خصومه السياسيين. لكن تعقيدات الوضع في إثيوبيا لا يمكن معالجتها بهذه الذهنية الاسياسية. بل على العكس سوف تجر إثيوبيا إلى أتون حرب أهلية تفضي إلى تفككها .
لا شك أن انزلاق إثيوبيا إلى حرب أهلية تشمل أقاليم النزاعات العرقية الحادة سوف يكون لها تداعيات كارثية على دول الجوار، وبدأت بالتوتر القائم ألان على الحدود بين السودان وإثيوبيا. فضلا عن المعانات الإنسانية التي تترتب على تدفق اللاجئين الفارين من ساحات المواجهات العسكرية بين الحكومة المركزية ومقاتلي الجبهة الشعبية لتحرير تقراي وأقاليم إثيوبية أخرى، وانتشار جائحة كرونا في منطقتنا التي تفتقر بشدة إلى البنيات التحتية الصحية، و كذلك انتشار الأسلحة وما يصاحبها من جرائم يصعب السيطرة عليها. وعلى الحكومة الإثيوبية أن تستمع إلى صوت العقل وتستجيب للدعوات الإقليمية والدولية إلى تبني منهج الحوار والتوصل إلى حلول سلمية لمشكلاتها المعقدة وان تضع حدا للدور الهدام الذي يلعبه نظام اسياس افورقي في زعزعة امن واستقرار القرن بدفع إثيوبيا إلى منزلق الدولة الفاشلة.

احدث المنشورات