المعارضة الأرترية : مخاطر التشتت وضرورات التوحد …

بقلم المهندس / سليمان فايد دارشــح

19/3/2020م

ليس من السهل الخوض في مواضيع يعتبرها البعض حساسة ، ناهيك عن النقد او إبداء الملاحظات حولها ، لذلك أننا لا نتوقع البتة أن يكون ما نذهب إليه ، عند حديثنا في مسار المعارضة الإرترية عبر محطاتها التاريخية المثيرة للجدل ، مقبولاً من بعض الأشخاص من المعارضة ، لأننا بحق ما زلنا في معظمنا لا نقبل النقد ، بل تعتبره إهانة واستهداف لشخوصنا  وكياناتنا وهياكلنا السياسية والاجتماعية.

بعد هذه المقدمة القصيرة نعود إلي موضوعنا ونقول : هناك الكثير من القضايا الجوهرية تستحق البحث والدراسة ، وإبداء الآراء ووجهات النظر حولها ، ولعنا نصل إلي صيغ مناسبة لمعالجتها ، ولكننا نهملها ، تنتظر علي الشماعة ، إلي متى لا نعرف ! وتاتي قضية تشتت قوى المعارضة الأرترية في مقدمة هذه القضــايا.

ننظر اليوم لواقع المعارضة الارترية ، سنجد أنها أصبحت بسبب تشتتها واختلافاتها الداخلية ضعيفة في الصراع الدائر في ارتريا ، ولم تتمكن الاتقاء إلي قوة تمكنها من التفوق علي النظام الدكتاتوري الذي تقارعه منذ سنوات طوال ، حتى في اضعف حلقاته ، فأصبحت قوة النظام في ضعفها وتشتت صفوفها.

وهذا التشتت المعيب لم يوصلنا إلا إلي مزيد من الاحتقان والحلول المجزة الفاشلة ، حتى صارت للأسف الشديد خلافاتنا وصراعاتنا التنظيمية والشخصية ، تقليداً لا غني عنها!!.

وبهذا التشتت الغير مبرر ايضاً ضاعت علينا عشرات السنوات في ممحكات وخلافات وصراعات لا تنتهي أوصلتنا في نهاية المطاف ، إلي الحائط المسدود الذي نقف فيه اليوم ، وإلي متى سنقف إمامه لسنا ندري!!.

والأن الأمور بمألاتها ، أنظر هاهو النظام الاستبدادي في أسمرا يعربد في البلاد خراباً ودماراً ، ويحرق الأخضر واليابس ، بلا حسيب أو رقيب ، لم يترك أي عمل سيتنفذ مشاعر الشعب الأرتري ، ويسلب كرامته الإنسانية إلا وارتكبه ، وفي ظل هذه الكارثة ، المعارضة لا تحرك ساكن ، مشغولة بأوضاعها الداخلية وتدور حول نفسها.

وهنا سؤال يطرح نفسه بشكل تلقائي وهو تحدثنا كثيراً عن جرائم النظام الحاكم في أسمرا ، ولكن ماذا عن اخفاقات قوى المعارضة الأرترية في اسقاط النظام ورد مظالم إرتريا وشعبه؟ لمحاولة الإجابة علي هذا السؤال نقول: نعم. تتحمل قوي المعارضة بكل مكوناتها – وأزعم انني واحد منهم – المسئولية لأنها رغم هذه الأخطار التي تهدد البلاد وأهلها  ، لا زالت مستمرة في تشتتها ، ولم تفلح الجهود الحيثية بعد لتوحيدها في مكون واسع موحد ، للخروج من متاهات التشتت. 

هذا لا يعني أنني أقلل من جهود ونضال المعارضة الارترية طيلة عقود ضد النظام الاستبدادي الحاكم في ارتريا ، ولكن نقول : بكل صرحة ووضوح تشتت وتفرق جهود المعارضة  في الآونة الأخيرة أوصلنا إلي نتائج سلبية ، أو قلت تشتتنا بين مربعات متناقضة استنفذت طاقاتنا ، وبددت قدراتنا ، كل ذلك أضاع علينا فرص اسقاط النظام خلال السنوات الماضية ، فأسقاط النظام وقيام دولة الديمقراطية ، لا تقام بمجرد إطلاق الشعارات ولا تبني الدولة في الأذهان ، وإنما تقام بوحدة قوية وإرادة حديدية ، وفعل قوي حقيقي علي أرض الواقع.

لذلك أصبح واضحاً بدل أن يتمركز الصراع ضد النظام الاستبدادي ، تحول إلي صراعات بين أطراف قوي المعارضة ، وهذا بالتأكيد أعطي فرصة كبيرة بإطالة أمر الصراع وإطالة عمر النظام  ، ولحق ولا زال يلحق بالشعب الأرتري الأذى الكبير نتيجة ذلك.

وبالتالي أصبح كل شيء في هذا البلد متوقف ومعلق وشعبها محتار مهبط ، يصرخ بأعلى صوته ما العمل ، ما العمل؟ ولم يجد من يستجيب لصراخة.

إن التحديات التي تواجه الشعب الأرتري في هذا الطرف الصعب كبيرة وجسيمة ، وهي أكبر من إمكانيات ومقدرات طرف بعينه من أطراف المعارضة ، لذلك من الطبيعي نحتاج لمراجعة المواقف وتحديد بكل دقة وامانة الاسباب التي أدت إلي غياب وحدة قوي المعارضة الارترية في كيان قوي متماسك ، وفي رأيي مثل هذه المراجعة تحتاج إلي مؤتمر حاشد كبير تتنادي له كل تنظيمات المعارضة و منظمات المجتمع المدني … ومؤتمر جامع لا يستثنى أي تنظيم كبر حجمه او صغر ، وفيه تطرح قضية وحدة المعارضة بكل ابعادها وتفاصيلها … مؤتمر يقول كل تنظيم رأيه بحرية تامة وشفافية وصدق وامانة … مؤتمر يوجد بنية مؤسسية جديدة وقوية ومتطورة… مؤتمر يصنع رؤية استراتيجية واضحة ويوحد جهود الإرتيرين في الداخل وفي بلدان الشتات … مؤتمر في نهاية أعماله يوقع المؤتمرين علي وثيقة عهد وميثاق للسير قدماً وبوتيرة متصاعدة للخلاص النهائي من منظومة الاستبداد الهقدفي الذي سرق الوطن واخضع شعبه للقهر والقمع عقوداً طويلة تحت مسميات وذرائع عديدة.

وتجدر الإشارة هنا ليس المطلوب توحيد تنظيمات المعارضة الارترية في تنظيم واحد تندمج فيه كل التنظيمات ، وتلقي كل المسميات التنظيمية ، فهذا في رايي غير واقعي وعملي ، ولكن المطلوب والممكن هو تشكيل مكون جديد يجمع كل قوى المعارضة واختيار قيادة قوية موحدة تقود العمل السياسي والعسكري والمدني لإنتقال بإرتريا بعد إزالة النظام إلي نظام ديمقراطي مدني تعددي.

صفوة القول : من اجل ما بقي لنا من وطن ، من اجل ما بقي فينا من معني الوطنية .. من أجل ارتريا لكل الارتريين… يجب أن نسعى جميعاً بجدية وحماس شديدين وبهمة عالية ، للم شتات  قوى المعارضة الارترية في إطار وحدوي جديد متطور ، يعجل بسقوط النظام ومن ثم إقامة دولة الديمقراطية والعدالة ، وسيادة القانون ، وتحقيق المساواة في الحقوق والواجبات.

فهل من مستجيب…

احدث المنشورات