الوطن قيمته تعلو علي مقاصدنا الضيقة…

صالح أشواك

15/03/2020م

العمل السياسي بالأساس قائم على التدافع و التنافس بين اطرافه أو حتى طرفه الواحد على مستوى قيادته و كوادره ، و من هنا يستمد حالة التجدد و النمو الطردي الذي ينسجم مع مستويات الوعي الفكري و السياسي لمكونات المجموعات السياسية التي تعمل في مساحة واحدة ، و بما أن العملية السياسية في أي قطر مسرحها المجتمع بكل أشكاله فأن السمة الغالبة في المجتمعات هي الديناميكية و حركتها الدائمة تبعاً لتطورات انماط حياتها و تطور اقتصاداتها التي بالضرورة تنعكس على المستويات الأخرى في الثقافة و السياسة و الإجتماع و بالتالي فأن كل المعالجات الفكرية و السياسية و فقاً لذلك هي الأخرى معنية بأن تأخذ بهذه التطورات مما يعني إنها تتأثر بذلك على مستوى إنتاجها الفكري و التنظيري من خلال المقاربات التي تقدمها و هذا بدوره يتطلب تطور الفرد في المؤسسة السياسية طردياً لينسجم مع مستويات هذا التقدم .

لذا لعل من نافلة القول أن الفكر السياسي و أدواته التنظيمية مالم تتسم بقدر عال من  الوعي على مستوى الأفراد الذين يترجمون الرؤية إلي واقع و كذلك بقدر يسير من المرونة و استيعاب ما يلزم لكل متغير مضاف يظل العمل السياسي عملاً مسكونا بالجمود و بالتالي العدمية .  

لم أفهم حتى هذه اللحظة سر عدم المرونة في مواقفنا السياسية ، لعل الأمر يحتاج إلى الكثير من التحليل ، فغالباً عندما يحدث تباين في داخل أية مؤسسة تنظيمية ينتهي هذا التباين بخلق خط أخر يحمل ذات الملامح و ذات الرؤية بمعنى أخر تجانس و طباق حد التيه لمن يراقب الواقع و حتى يتم الاستدلال على أي منهم  يتم و سم التنظيم بجناح القائد (س) و الأخر (ص) و الشواهد كثيرة في مسيرتنا الوطنية فكانت هناك أكثر من قوات التحرير الشعبية و أما بعد الحرب التي شنتها الجبهة الشعبية و حليفتها الوياني تجراي علي الجبهة انشطرت الجبهة إلي أكثر من تنظيم و بذات الاسم و حتى الحركات الإسلامية بعد الإنقسام ظل كلا التنظيمين يحملان ذات الاسم و الأمر ذاته تكرر في الفدرالية و أخيراً في مسيرة الجبهة فهي متوالية سوف لن تنتهى مالم يتسم الجميع بقدر عال من المرونة في المواقف و كذلك الوعي الذي يكفل تقبل الرأي المخالف ضمن قراءات متباينة وفق اختلاف زويا الرؤية طالما الجميع يقف علي بساط واحد ..

و لعل المرونة ترمز إليها شعاراتنا التنظيمية فقل أن تجد تنظيما سياسيا إرتريا لم يتخذ من غصن الزيتون شعارا فرغم رمزية هذا الشعار للسلام لكنه غصن غض ريان مرن فكيف لقوى سياسية أن تعبر عن رؤيتها بمعزل عن دلالات شعاراتها .

المرونة ليست مطلوبة داخل مؤسسات التنظيم فحسب و لكن يجب أن تكون في رؤية التنظيم وفقاً لمقتضيات واقع الحال على الأرض في التطور السياسي الذي يشهده المجتمع وفق نموه ضمن سياقات التأريخ الذي ما هو إلا نتاج ديناميكية القوى السياسية و الثقافية و الإجتماعية التي تصنع واقعاً تأريخياً جديداً يوشح الوطن بملامحه ضمن تدافع الرؤى و لكنها لا تستهوي الجميع طالما كانت أحادية فرضتها حالة الفوارق في القدرات في لحظة تاريخية محددة ، لذا دائماً ما يتم الحديث عن الثوابت الوطنية التي يلتف حولها الجميع و تتوافق حولها كل القوى السياسية المعبرة عن المجتمع وغالباً ما يسعى الجميع إلى جعل ما يؤمن به ثوابتا و هنا نحتاج إلى مزيد من العقلانية و الموضوعية ضمن رؤية مرنة تستوعب القدرات و المتاح من أجل إحداث التغيير الذي يتسق مع الرؤية الكلية في محصلته النهائية و أهم أدواته خلق منبر يستوعب الجميع بغية أدارة حوار وطني شفاف. يوائم بين الرؤى حتى يتم الإتفاق علي تصور موحد يكون خارج سياقات التدافع الذي تشهده الحياة السياسية و يشكل ما نطلق عليه الثوابت الوطنية..

 في سياق تبنى منهجية المرونة و العقلانية و الواقعية إزاء ما هو ماثل علينا أن نفسر كبوتنا أو إذا جاز القول هزيمتنا تفسيرا ملهما و الإستفادة منها لا أن نحبس أنفسنا فيها بل علينا أن نبحث عن انتصارات دائمة مهما كان حجمها و بالتراكم فأنها حتماً ستفضي إلى أن نصل لغاياتنا عبر ايسر السبل و التي لا تخرجنا من مضمار البقاء في اتون التدافع و بأقل الخسائر حتى لحظات الإنتصار لجوهر رؤيتنا .

 كثر هم الذين تبنوا أن الصراع السياسي في إرتريا يدور على اساس مدرستين لا ثالث لهم مدرسة جبهة التحرير الإرترية و مدرسة الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا وعلى الرغم من أن الأخيرة هي من ذات التجربة الأولى تأريخياً و لكن يبدو أن الأمر اضحى مختلفا لأن الأخيرة افترعت طريقا آخر بعيدا عن إسناده للتجربة التي خرجت من رحمها و بالتالي غدت مدرسة و تجربة قائمة بذاتها ..

لعل الذي اربك المشهد في الآونة الأخيرة هو تشظي تجربة الجبهة الشعبية و خروج أغلب قيادات و كوادر الجبهة الشعبية من الفعل الرسمي في إطار الدولة و الحزب في إطار حزب الجبهة الشعبية؟ إما لسجن الطاغية أغلبهم أو لخروج بعضهم إلى خارج إرتريا و الوقوف علي بساط واحد مع المعارضة مع اختلاف زوايا النظر في الموقف من النظام فالبعض منهم برى في التجربة نموذج يمكن الحفاظ عليه و التمسك بها و يرون في تغير رأس النظام معالجة لكل أزمة الوطن ، و البعض منهم قد كفر بالنظام و كل التجربة و لكنه بذات القدر كافر بالمكونات التي تتألف منها المعارضة ضمن إسقاطات تاريخية لو تم التعامل معها في سياقاتها التاريخية ربما لحررت كثير منهم من قيود أثقلت خطواتهم نحو العمل الجماعي……

المشهد في تقديري يحتاج إلى قدر عال من المرونة و الموضوعية و الواقعية هناك منطقة وسط يمكن أن يلتقي عندها الجميع ، و لكن بنضج يعي المقبل من النتائج المرجوة و التي يفضي إليها العمل المشترك ، و تقبل فكرة أن كل التجارب أو كلا المدرستين كان الإنسان و الأرض غايتيهما على حد سواء و بالتالي فأن تشابك هذه العقيدة ربما تكون مدخلاً لكسر حالة الجمود التوافقي مع تقبل فكرة أن التفاصيل في ادارة الحياة السياسية يمكن أن تخضع للاجتهادات الفكرية و المقاربات السياسية التي حتماً معيار ملاءمتها من عدمه مرهون بموقف الشارع منها و في ذلك فليتنافس المتنافسون ..

أما أن ندخل في معتركات صفرية يكون النصر فيها لطرف دون أخر فأن استقرت الأحوال لصالح طرف دون أخر فعلى الجميع عدم نسيان أن الحرب سجال و يمضي الخاسر إلى إعادة ترتيب ذاته بما يمكنه من رد الإعتبار و بأي ثمن و يستمر الحال على هذا المنوال الخاسر الوحيد فيه جيل أثر جيل ليس له ميراث غير تأريخ قاتل و صراعات صفرية ينتظر فيها امتداد أي طرف دوره في إفناء الأخر و هذا لن يحدث فالمجتمعات دائما متحركة تارة تصعد و تارة تخبو و لكن لا يمكن الحكم عليها بالفناء.

عليه فأن المخرج من مجمل أزماتنا الوطنية يكون في رؤية استراتيجية تتسم بالعقلانية و الموضوعية لن تتاح لنا هذه الرؤية مالم نتحلى بقدر عال من المرونة السياسية وصراع يحسمه حوار ينطوي على إقرار أن هذا الوطن قيمته تعلو على مقاصدنا الضيقة و هذه المقاصد بالضرورة متاحة في مجمل مصلحة الوطن و بطبيعة الحال سنجد ذاتنا السياسية و الفكرية و الإجتماعية و الثقافية في وطن نتفيأ ظلاله جميعاً من خلال التوافق و السلام و دولة المواطنة على اساس قانوني …

احدث المنشورات