حصاد اتفاق السلام المزعوم بين اريتريا وإثيوبيا ..

الأستاذ / حسن أسد.

20-02-2020م

 اتفاق السلام الذي وقع بين اريتريا وإثيوبيا في العام 2018 أخرج النظام الاريتري من عزلة خانقة جعلت اريتريا دولة منبوذة في محيطها الاقليمي وعلى الصعيد العالمي على مدى عشرين عاما. إلا أن هذا الاتفاق أدخل إثيوبيا بالمقابل في دوامة من الفوضى والاضطرابات السياسية العنيفة أخذت تتفاقم بصورة تهدد بانزلاق إثيوبيا إلى حرب أهلية. صحيح أن الاضطرابات اندلعت في إثيوبيا قبل توقيع اتفاق السلام نتيجة أزمة سياسية داخلية في إثيوبيا وفجرت احتجاجات مطلبيه واسعة ضد حكومة هيلي ماريام دسالين، وأفضت إلى استقالته وصعود الدكتور أبي احمد إلى منصب رئيس الوزراء في إثيوبيا في سياق مسعى الائتلاف الحاكم للخروج من تلك الأزمة السياسية.

وفور تسلم د. أبي احمد السلطة أعلن برنامج إصلاحي طموح كان عنوانه العريض تامين الأمن والاستقرار لإثيوبيا بمعالجة الملفات الداخلية التي فجرت الاحتجاجات الدامية ووضع حد لحالة اللاحرب واللاسلم بين اريتريا وإثيوبيا التي كان لها دور أساسي في إعاقة عجلة التنمية في بلاده بسبب ارتفاع ميزانية الدفاع حيث كانت تحشد إثيوبيا قوات كبيرة على حدودها مع اريتريا، وكذلك حرب الوكالة التي انجرت إليها إثيوبيا في الصومال. وكانت مبادرة السلام التي أطلقها أبي احمد لإنهاء الصراع بين اسمرا وأديس أبابا هي ابرز واهم خطواته لإخراج بلاده من أزماتها حيث حظيت المبادرة بتأييد دولي وإقليمي لافت وأسهمت بقدر كبير إلى جانب برنامجه الإصلاحي في تلميع صورته كقائد ملهم في أوساط الإثيوبيين.

إلا أن اسياس افورقي اختطف تلك المبادرة ووظفها لإخراج نظامه من العزلة دون أن يلتزم باستحقاقات السلام للشعب الاريتري مخيبا أماله  في توجه حكومته نحو بناء السلم الداخلي وإجراء إصلاحات سياسية تلبي طموحاته في التحول الديمقراطي والحياة الكريمة ووضع نهاية لفزاعة الخطر الخارجي التي كانت وما تزال حجة لسياسة القمع وإرهاب الدولة، وابقي الجيش الاريتري محشودا على الحدود مع إثيوبيا. وجعل من الاتفاق سلاحا لتصفية حساباته مع قيادة الجبهة الشعبية لتحرير تقراي. وبدلا من إنزال  روح ونصوص الاتفاق إلى ارض الواقع، وترسيم الحدود وبناء علاقات حسن جوار تحقق مصالح وتطلعات الشعبين إلى السلام والاستقرار، طالب افورقي وبتدخل سافر في شأن إثيوبي داخلي بإنهاء دور الجبهة الشعبية لتحرير تقراي في الحياة السياسية في إثيوبيا.

 انقضى أكثر من عام على إعلان الاتفاق المزعوم، إلا أن مجريات الأحداث تعكس معطيات مناقضة للسلام. فعلى الصعيد الاريتري لم يتحقق السقف الأدنى من توقعات الشعب بعد تسوية ما سمي بالنزاع الحدودي بين البلدين.  وما تزال سياسة عسكرة المجتمع الاريتري تحت عنوان الخدمة الوطنية، والاعتقالات التعسفية، واستشراء فساد المتنفذين في الدولة، وضنك المعيشة هي الحقائق السائدة في البلاد. هكذا انقضى ما يربو عن عام في عروض مهرجانات الاحتفاء وتبادل الزيارات لأبي احمد وافورقي إلى كل من اسمرا وأديس أبابا والغزل السياسي المبتذل بين الرجلين وعقد اجتماعات لا يكشف عن نتائجها لتخلق شكوك عميقة في أوساط الشعب الارتري بان ثمة شيء يمس سيادته الوطنية يطبخ في الخفاء. وفي الجانب الأخر تعيش إثيوبيا في وضع سياسي معقد حيث تطغى النزاعات العرقية على المشهد السياسي وتتصاعد  تجاذبات الطبقة السياسية وتأخذ النزاعات العرقية طابعا دمويا يلقي بظلاله على السلام الموعود، ويخيم بدلا من ذلك شبح الحرب الأهلية وخطر تفتت إثيوبيا مما يشكل تهديدا خطيرا ليس على أمن واستقرار إثيوبيا فحسب بل على امن واستقرار المنطقة بأسرها.  

لا يمكن  أن يتحقق السلام  إلا على أيدي قيادات تؤمن به. وقضايا السلام والأمن والديمقراطية ليست من أجندة النظام الدكتاتوري في اسمرا. وإذا كان وجوده على سدة الحكم في اريتريا يفرض على دول العالم خاصة الدول المجاورة، التعامل معه كأمر واقع لتحقيق مصالحها فانه يتعين عليها أن لا تسمح لهذا النظام بالتدخل في شئونها الداخلية ولا تنفيذ أجندته على ساحاتها. إن مبادرة السلام التي أطلقها رئيس الوزراء الإثيوبي الدكتور أبي احمد تتحطم على صخرة صلف وعناد النظام الاريتري، الأمر الذي يحتم على الطبقة السياسية في إثيوبيا أن تقيم  الفوائد التي جنتها إثيوبيا من هذا الاتفاق. أننا لا نطالب إثيوبيا بالتدخل في الشأن الداخلي لاريتريا أو خوض معركة سياسية ضد نظام اسياس بالنيابة عن الشعب الاريتري، لكن نلفت نظر الحكومة الإثيوبية إن أي اتفاقيات ثنائية في الظلام مع نظام الحكم في اسمرا الذي لا يستند على مؤسسات دستورية تعبر عن إرادة الشعب الاريتري  سوف تخضع للمراجعة وإعادة النظر من قبل الشعب الارتري في المستقبل. ونناشد الطبقة السياسية في إثيوبيا إن تتسامى على خلافاتها وتتوصل عبر حوار وطني إلى معالجة الملفات الداخلية بعيدا عن تدخل النظام الدكتاتوري في اسمرا لتلافي الانزلاق إلى صراع دموي لا تحمد عواقبه.

احدث المنشورات