قراءة في لقاء الدكتاتور ..

كتبه الأستاذ / حسن علي أسد

رسائل الرئيس اسياس افورقي الموجهة إلى الداخل الاريتري والمحيط الاقليمي عبر حديثه المطول للفضائية الاريترية في السابع من فبراير الجاري.
على مدى أربعة ساعات تحدث الرئيس اسياس افورقي عبر الفضائية الاريترية وفي إطار أسئلة موضوعة من قبله على ضوء تقارير من أجهزة امن النظام المتعددة التي نقلت إليه نبض الشارع وهموم الناس. وبطبيعة الحال لا توجد صحافة حرة في اريتريا وبالتالي لا يسمح للصحفيين المغلوب على أمرهم نقل هموم وتطلعات الشعب إلى السلطة بحرية. وقراءة نبض الشارع وهموم الناس ليست مهمة الصحافة والصحفيين بل هي من واجبات ألأجهزة القمعية للنظام المتعددة التي يديرها مكتب الرئيس ليصدر على ضوءها طائفة من قرارات الردع وتنفذها تلك الأجهزة.
ويبدو أن تقارير تلك ألأجهزة وضعت أمامه صور تنامي الملمة الشعبية ضد سياساته، وارتفاع منسوب الجراءة في مجالس المدن الاريترية، وان معاول هدم جدار الخوف من بطش السلطة الدكتاتورية باتت تعبئ الشارع الاريتري للانتفاض في وجه هذه السلطة الغاشمة. ولا شك أن حديث الرئيس في الفضائية الاريترية مساء السابع من فبراير 2020 جاء في أعقاب إجراءات قمعية اتخذت ضد جنود مجهولين من قادة الرأي العام الذين يسلطون الأضواء على جرائم النظام والفساد المستشري في أجهزة الدولة وكذلك الصراعات التي تدور في محيط الدائرة الضيقة للرئيس.
الرسالة الموجهة إلى الداخل الاريتري عبر حديثه النرجسي، هي أن النظام ماض في نهج قبضته الأمنية، وانه لن يسمح بتسلل رياح التحول الديمقراطي التي أخذت تهب في المنطقة، ولن يقدم النظام حتى على إصلاحات فوقية تفتح نافذة لأدنى قدر من الحريات الأساسية أو إصلاحات اقتصادية لينعم الشعب الاريتري ولو بقدر يسير من موارده المنهوبة من قبل رجالات السلطة. وأنكر افورقي هيمنة الحكومة والقطاع العام في البلاد على شرايين الاقتصاد، وقال إن الحديث عن هيمنة الحكومة على التجارة هي جزء من حملة التشويه والحرب الاقتصادية التي تتعرض لها اريتريا على حد زعمه. وفي الوقت نفسه اقر أن حكومته فشلت في تنفيذ خطة جهزتها قبل أعوام لزيادة الأجور والإسكان الشعبي. وحاول اسياس تبرير فشل نظامه في تشغيل الموانئ الاريترية عصب ومصوع بسبب (تطوير موانئ بلاد أخرى بهدف تعطيل الموانئ الاريترية) دون أن يفسح عن الجهات التي تطور موانئ بلاد أخرى.
وشن هجوما على التجار متهما إياهم بالمضاربة في أسعار السلع وتحقيق أرباح خرافية. ومن المعروف أن حكومته ضيقت على القطاع الخاص في اريتريا باحتكار شركاته حزبه ومحاسيبه حركة التجارة في البلاد؟ وفي سياق حديث تخديري قال هناك مباحثات بين حكومته وحكومات كل من السودان وإثيوبيا لربط الطرق البرية وخطوط السكك الحديدية وخطوط الأنابيب، وأشار إلى إمكانية الحصول على قروض من الشركاء الخليجيين لتنفيذ المشروعات المشتركة مع إثيوبيا وزعم أن حكومته ستسعى هذا العام لتهيئة المناخ الاقليمي لإقامة مشروعات مشتركة!!!!!!!.
أما رسالته إلى المحيط الاقليمي فاتسمت بالتعالي وروح الأستاذية. خاصة تجاه السودان وإثيوبيا. فبعد أن شن هجوما عنيفا على النظام السابق في السودان والإسلام السياسي وتحسر على انفصال الجنوب الذي اعتبره اكبر جرائم النظام السابق في السودان. وكشف عن نزعة الأستاذية لديه قائلا ان السودان يحتاج لفترة طويلة لإزالة أثار ما وصفه بالدمار الكبير الذي لحق بالسودان بفعل سياسات النظام السابق، وقال ان المشاركون في المرحلة الانتقالية كثر. وبازدراء للرؤى السياسية المتعددة في السودان قال ان الشعب السوداني يحتاج لانتقال حقيقي وانتشاله من الواقع المسموم، وتساءل قائلا هل هذه المشروعات المطروحة تخرج به إلى بر الأمان؟ والى أين تتجه بوصلة الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأمنية؟ وبهذه التساؤلات يعبر الرجل عن انزعاجه من لوحة التعددية السياسية والفكرية وهي حالة لا يقبل بها في اريتريا وبالتالي لا يريدها بجوارها. وقال ان التغيير الذي حدث في السودان كان بهبة عفوية للشعب السوداني الذي نفد صبره ولا يمكن الحديث عن جهد منظم للأحزاب والقوى السياسية في تعبئة الشارع السوداني. وهذه محاولة بائسة للفصل بين جماهير الثورة السودانية وقواها السياسية وتعبير عن مقته للتعددية السياسية، وتعبير ضمني عن رغبته في إقامة نظام حكم دكتاتوري في السودان.
ويقول اسياس بوضوح لا لبس فيه: حتى نتمكن من مواكبة كل ذلك لن نقف متفرجين، علينا أن نكون قريبين جدا من ذلك الواقع، هذا أمر حيوي ويهمنا بشكل مباشر. هذه اللهجة المتعالية كانت السبب الرئيسي في تدهور العلاقة بينه وبين حلفائه السابقين في إثيوبيا (الجبهة الشعبية لتحرير تقراي) وأدت إلى نشوب الحرب المدمرة بين البلدين عام 1998. وهي لهجة تدلل على عزمه للتدخل في الشأن السوداني وعرقلة مسيرة المرحلة الانتقالية.
وفي تطرقه للأوضاع في إثيوبيا شن حملته العنيفة المعهودة ضد الجبهة الشعبية لتحرير تقراي، ( وياني) واتهمها بالسعي إلى خلق احتكاك بين اريتريا وإثيوبيا. وأعرب عن قلقه الشديد من النزاعات العرقية في إثيوبيا وقال انه حذر إثيوبيا عام 1992 من خطورة الدستور القائم على أسس عرقية. وأشار بان هدف الوياني من إقامة نظام الفدرالية العرقية هو تقسيم إثيوبيا. وقال إن ابي احمد اتخذ قرارا قويا وصحيحا ضد الويني وأكد على أهمية التضامن مع إثيوبيا ودعم قيادتها، والمقصود هنا تشجيع رئيس الوزراء الإثيوبي على تصعيد المواجهة مع الجبهة الشعبية لتحرير تقراي خصمه اللدود.
لا شك أن الرئيس الاريتري يتمنى بل ويعمل على صب الزيت على تلك الاضطرابات بهدف زعزعة الاستقرار في إثيوبيا، مع ذلك يتهم مراكز لم يسمها بالعمل على زعزعة الاستقرار في إثيوبيا. وتساؤله عن إمكانية إجراء انتخابات 2020 في إثيوبيا ينم عن قلقه من حدوثها حدوثها.

احدث المنشورات